الرئيسية | قضايا و آراء | دواعي الاحتجاجات الاجتماعية ومآلاتها…/ محمد العلمي السائحي

دواعي الاحتجاجات الاجتماعية ومآلاتها…/ محمد العلمي السائحي

عرفت ولا تزال تعرف الكثير من المجتمعات أنماطا من الاحتجاجات، منها ما هو مؤطر كالاحتجاجات النقابية، مثل احتجاجات الأساتذة والأطباء في الجزائر، ومنها ما هو تلقائي شأن الاحتجاجات التي اندلعت في قرية سيدي بوزيد على إثر انتحار البوعزيزي التي ما فتئت أن امتدت لتشمل البلاد التونسية برمتها، والتي انتهت بسقوط نظام زين العابدين بن علي، وكيفما كانت هذه الاحتجاجات مؤطرة كانت أو غير مؤطرة، فإنها لا تندلع فجأة، ولا تحدث صدفة، وإنّما توجبها الدواعي، وتستدعيها الأسباب، بغض النظر عن طبيعة تلك الدواعي والأسباب، وسواء كان حجمها كبيرا أو محدودا، فإن لها من الدلالات ما يستوجب التوقف عندها والتأمل فيها، ولعل من أهم دلالاتها اتسام النظام الحاكم بالطابع الاستبدادي، مما اضطر الناس إلى الخروج للشارع، للاحتجاج على ما ألحقه بهم من ضرر، طال حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن دلالاتها انسداد قنوات الاتصال بين النظام والمجتمع وانقطاع سبل الحوار الإيجابي بينهما، مما أجبر الناس على ركوب الاحتجاج كوسيلة لإجبار النظام الحاكم على الاستماع إليهم، والإصغاء لهم، ومن دلالاتها عجز أجهزة النظام عن استشعار ما يشكو منه الناس مسبقا، وحسن قراءته على النحو الذي يمكّنه من إيجاد الحلول التي تسمح له بالقضاء على أسباب تلك الاحتجاجات، بما يحقن الدماء، ويصون المال العام، ومن دلالاتها أن ضغط النظام الحاكم على المجتمع محكوم بحد من التحمل، إذا لم يراعه النظام ولم يقف عنده، انفجر المجتمع وقلب الطاولة على النظام، ونزع إلى تغييره، وتاق إلى استبداله، أما دواعي الاحتجاجات وأسبابها فغالبا ما ترجع إلى أسباب اقتصادية كانتشار البطالة، أو تضخم الأسعار وغلاء المعيشة، بما يجعل المواطنين عاجزين عن الوفاء بالتزاماتهم أو الحصول على حاجاتهم الضرورية لمحدودية دخلهم، وقد تنفجر هذه الاحتجاجات لأسباب سياسية بسبب سوء توزيع الثروة، وإيثار مناطق معينة من الوطن بالتنمية وإغفال غيرها، مما يولد الشعور بالظلم والحيف، ويستثير تلك المناطق المحرومة، ويحملها على المطالبة بحقها في التنمية، وقد تحدث بتأثير من الخارج وتحريض منه، كما هو مشاهد في الأقليات العرقية، والدينية، والطائفية، في كل من تركيا وسوريا والعراق، والمغرب والجزائر وليبيا، حيث يلاحظ أن هذه الأقليات، التي تنظم احتجاجات للمطالبة بحقوقها الثقافية أو السياسية، يباركها الخارج ويقدم لها الدعم المالي والإعلامي والسياسي، مما يشير بوضوح إلى أنها موظفة من قبله لمآرب شتى تخدم مصالحه، وتحقق أهدافه، أما إذا نظرنا في مآلات هذه الاحتجاجات، فذلك يتوقف على طبيعة رد فعل النظام الحاكم المعني بها، فإن أصغى إليها، وأحسن التجاوب معها، وفتح قنوات التواصل معها، واهتم فعلا بالتحاور مع منظميها، آلت إلى نتائج إيجابية لا في صالح الفئات المحتجة وحدها، بل يستفيد هو منها أيضا من عدة أوجه، منها أن تجاوبه معها ينفي عنه صفة الاستبداد، ومنها أنها تدفعه إلى مراجعة قنوات وأدوات الاتصال بينه وبين المجتمع، بما يضمن له حسن التواصل مع المجتمع، ويمكنه من حسن رصد كل التحولات وطبيعة الثورات التي يمكن أن ينتج عنها ما يدفع لاحتجاج ما، ومنها أنها ستسمه بميسم النظام الديمقراطي، لدى المجتمع المحلي والدولي، لأنه حاور المحتجين وناقشهم ولم يعمد إلى ترهيبهم وإخضاعهم بالهراوة والسلاح.

وإن هو أصم أذنيه دون مطالبها، وأبى الاستماع إليها، وأصر على فضها بالقوة، تحولت من مجرد احتجاج مطلبي، إلى ثورة عارمة تأكل اليابس والأخضر، كما شاهدنا في احتجاجات سوريا، التي تحولت من مجرد احتجاجات مطلبية، إلى ثورة تطالب برحيل النظام ذاته، والذي إلى اليوم لم يستطع أن يقضي عليها، برغم استعانته بحلفاء دوليين ممثلين في كل من إيران وروسيا، و”حزب الله”، وستبقى هذه الثورة تعتمل في النفوس، وتتأجج في الصدور والعقول، إلى أن تحقق نتائجها، والتي ليست سوى رحيل النظام وزواله.

ولذا لا ينبغي الاستهانة بالاحتجاجات الاجتماعية، ولا ينبغي التعويل على التعامل معها بوسائل القمع والترهيب، لأن قمعها لا يعني أنه قد تم القضاء على أسبابها والتخلص من دواعيها، فما لم تتم الاستجابة لمطالبها المعقولة والمشروعة، فإنها لا تلبث أن تعود بصورة أقوى مما كانت عليه يوم اندلعت لأول مرة، وإذن لا سبيل للقضاء عليها والتخلص منها إلا بالحوار الرصين الذي يفضي إلى فهم الآخر، وحسن تقدير موقفه، والاعتراف له بحقه إذا ما كان له حق، فإن لم يكن له حق ثابت بالقانون أو الشرع أو العرف، لن نعدم الوسيلة لإقناعه والرجوع به إلى جادة الصواب، فلنحسن التعامل مع الاحتجاجات ولنتجنب الاستبداد بالرأي واتباع سياسة ما أريكم إلا ما أرى، فقد يكون ما يراه الغير خير مما نراه نحن…

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …