الرئيسية | قضايا و آراء | الفكر السياسي الإسلامي بعد ربيع لم يكتمل/ علي حليتيم

الفكر السياسي الإسلامي بعد ربيع لم يكتمل/ علي حليتيم

هل أفلحت الحداثة السياسية الغربية القائمة على العقلانية والديمقراطية والعقد الاجتماعي والحريّة والفردية والمواطنة في التخلص من تناقضاتها وإشكالياتها الفكرية والسوسيولوجية، وثنائياتها ومواطن الخلل فيها كسيطرة العصب واللوبيات وجماعات الضغط على القرار السياسي والاقتصادي والثقافي، والليبرالية المتوحشة ومركزية الرجل الأبيض، والتناقض بين رغبات الأفراد، وديكتاتورية الجماعة، والعنصرية المبطنة في القوانين والنظم والمؤسسات، والنظام الاقتصادي العالمي القائم على نهب الشعوب، وتشجيع الدكتاتوريات المحلية العميلة وغير ذلك، حتى نجعلها هي المعيار الحاكم على كل نظام سياسي يريد أن يأخذ دورا في قيادة الشعوب؟!

من الناحية الواقعية فإننا نعلم بعد تراكم تجاربي عالمي دام أزيد من خمسين سنة، أن أي انبعاث نهضوي في ظل المنظومة الأحادية القطب القائمة على الهيمنة الأمريكية وسيطرة الرجل الأبيض، إلا بضوء أخضر غربي مثل ما حدث مع كوريا الجنوبية أو سنغافورة مثلا، أما باقي دول العالم الثالث والعالم الإسلامي خصوصا، فإن الغرب قد وفر جملة من الميكانزمات والأطر الاقتصادية والسياسية، حتى يكون ذلك الانبعاث محالا غير قابل للتحقق، ولذلك دواعي وغايات ليس في هذا المقال موضع ذكرها وتفصيلها.

إن النقاشات الواسعة التي أعقبت ثورات الربيع العربي لتدعونا إلى التساؤل حول عقلانية الدعوة إلى استنساخ التجربة الغربية في ظل الملاحظات الآنفة الذكر، ويدعونا إلى فتح نقاش بعيد عن الاستقطاب الأيديولوجي حول سبيل أو سبل النهضة الأمثل في منطقتنا حتى لا نستنسخ التجارب المريرة لبدايات عصر النهضة حين قرر قادة الدول القطرية الوطنية الجديدة أن الإسلام هو السبب والعامل الرئيسي في تخلف الشعوب الإسلامية، وأن السير في ركب الغرب هو الطريق الأمثل والأنجح للحاق بقطار النهضة، فكانت النتيجة عقودا من الاستبداد والعمالة والتخلف ومزيدا من التبعية والتجزيء لا غير.

إن أي نقاش سياسي يجب أن يأخذ في حسابه هذا المعطى الجديد وهو إفلاس الأنظمة العربية العلمانية وتحويلها الدول العربية إلى دول تابعة ومرهونة للغرب، وانخراط النخبة العلمانية العربية في هذا المسار الإنهياري العام لعقود من الزمن.

وإن أي نقاش سياسي لمدعو أن يأخذ في الحسبان أن الإسلاميين قد قدموا رغم القهر والاستبداد والمتابعة والمضايقة، ورغم سيطرة العلمانيين –خصمهم المزمن- على مراكز القرار والمؤسسات الإعلامية والتعليمية والثقافية، قد قدموا رغم ذلك أدبيات طيبة في المجال السياسي والدستوري أثبتت قدرتهم على صوغ المستقبل السياسي للأمة الإسلامية رغم ما اتسمت به تلك الأعمال من فردية وانطباعية وتأثر بالقهر والطغيان وعقدة التفوق الغربي في بعض الأحيان لكنها تمثل أفضل ما تم تقديمه من عروض في ساحتنا السياسية، إذا لاحظنا أن الفكر السياسي العلماني ليس إلا هامشا على فكرين: الفكر الغربي تقليدا وتقديسا واستنساخا والفكر الإسلامي نقدا ومشاكسة وإنكارا، وبذلك حول الفكر العلماني العربي وجهته عن المشكلات الحقيقية للأمة العربية المتمثّلة في التبعية والتغريب والتخلف والتجزيء والصهيونية وتصفية آثار الاستعمار، إلى مشكلة واحدة ووحيدة تبدو في نظره هي أعظم المشكلات على الإطلاق، ألا وهي كيفية التصدي فكريا للمشروع السياسي الإسلامي، وميدانيا للإسلام السياسي الحاكم، مستبعدين بذلك أي احتمال لعمل تشاركي يساهم فيه الجميع في ظل استحالة منطق الإقصاء الذي ساد لعقود من الزمن، أو لصيغة سياسية يقبل بها الجميع وتنخرط فيها كل الاتجاهات والخيارات بعد أن أثبتت التجارب المريرة الكثيرة أن الديمقراطية بصيغتها الغربية لا تصلح لبلداننا، وأن العلمانيين هم أول الرافضين لها إلا إذا جاءت بأمثالهم وكذلك الغرب يرفضها إلا إذا جاءت بعملائه ومواليه.

أما التحديات الداخلية المطروحة على الاتجاه السياسي الإسلامي فليس أقل حدة وتتمثل في التحديات الخارجية ويمكن اختزالها فيما يلي:

  1. تدوين وتثمين التجارب الإسلامية الحديثة (تركيا، ماليزيا، تونس)، والإسراع في بلورتها ومقابلتها بغيرها من التجارب، في إطار المنهج المقارن في الحقلين الإسلامي والغربي وتعميق النقاش حول مجالات المبادئ الإسلامية الواجبة الإتباع والاجتهاد البشري المفتوح للمجتهدين أو ما يسمى بالسياسة الشرعية.
  2. تقديم النظام الإسلامي لغير المقتنعين به من المسلمين أو غيرهم حتى يقابلوا ولو نسبيا المجهود الضخم الذي يبذل محليا أو عالميا لتشويه النظام السياسي الإسلامي، إن في المبادئ والمنطلقات أو في التجارب والخبرة.
  3. تعميق النقاش حول الاتجاهات التعصبية المتطرفة في الصف الإسلامي أو الحركات الإرهابية التي ترفع شعارات إسلامية والتي تمثل أكبر وأخطر تحد يواجهه الإسلام السياسي الصاعد من منطلق أنها تمثل المشروع التشويهي التخريبي الدائم للإسلام ككل والمبرر القانوني السياسي الدائم لكل الاعتداءات العسكرية والسياسية والقمعية والتضييقية التي تُمارس على الإسلاميين والبلدان الإسلامية من الداخل والخارج.

إن التخندق الإيديولوجي الذي تعيشه الجزائر قد منع المثقفين من التفكير الصحيح الذي يؤدي إلى الحلول العملية التي تدرك الواقع وتفرق بين الممكن والمأمول وتدرك أن الحل الإفنائي هو إفناء للجميع.

وَمِمّا يؤسف له حقا هو أن الأزمات تمر وتحدث فعلها التخريبي ثم تمضي دون أن يفتح بشأنها نقاش جاد ومسؤول يشترك فيه الجميع كما دعا إلى ذلك مراراً وتكراراً رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الدكتور عبد الرزاق قسوم.

وفي انتظار أن يفتح ذلك الحوار فإن التيار الإسلامي سيواصل قراءته للمجتمع الجزائري وأزماته، وسيواصل تقديم رؤاه للحلول والمخارج رغم الضيق والتضييق حتى تحين أوان عودة الروح للجسد الوسنان،  والله (يُحْيِي  وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

المعاملة هي روح التدين الحـــــق..

مداني حديبي/ ألا تتعجب معي لحال ذاك المتدين الذي يلزم الصف الأول ولا تفوته تكبيرة …