الرئيسية | قضايا و آراء | الولايات المتحدة واستراتيجية الإبادة…!/ علي حليتيم

الولايات المتحدة واستراتيجية الإبادة…!/ علي حليتيم

خلال عام 1965م، نشر الكاتب البريطاني باتريك سيل كتابه الكلاسيكي “الصراع من أجل سوريا: 1945م-1958م”. وصف فيه سوريا في السنوات الثلاث عشرة الأولى من الجمهورية كدولة هشة ضعيفة، مزقتها الصراعات الداخلية، وتتلاعب بها القوى الإقليمية والدولية، وقال إن سوريا هي الجائزة التي تسعى إليها هذه الجهات الخارجية من أجل إقامة هيمنة دائمة في قلب الشرق الأوسط؛ واليوم تواجه سوريا وضعا متشابها جدا، بعد سبع سنوات من بدء انتفاضة شعبية سلمية ضد الطغيان تحولت إلى صراع دولي شرس مع منافسة محتدمة بين الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية على مستقبل سوريا مع اتفاق هذه الأطراف جميعاً على أمرين اثنين:

– الإبقاء على النظام السوري كطرف رسمي موافق على “شرعنة الوجود الأجنبي” السياسي والعسكري والاقتصادي في سوريا، وموافق حتى على التقسيم (يمكن التمثيل على ذلك بالاتفاقية الروسية السورية التي نشرت تفاصيلها صحيفة واشنطن بوسطن في 2015م، والتي تجعل من قاعدة الحميمين أرضا روسية خالصة، وتعفي الطرف الروسي من أي مضايقة إدارية أو متابعة قضائية أو تعويض، وبإعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن نيتها في التواجد العسكري الدائم في سوريا).

– إبادة المكون المسلم السني العسكري والمدني قدر الإمكان كمقدمة للتغييرات “الجيوسياسية” التي يحضر لها الغرب كما حدث لسُنَّة العراق مع تقاسم الأدوار بين الطرف الفاعل (روسيا) الذي سيأخذ أجراً على التنفيذ والطرف المندد (أوروبا والولايات المتحدة) الذي يحدد بتنديده سقف رد الفعل الدولي على الإبادة.

بعد سايكس- بيكو سعت الملكيتان الهاشميتان في العراق والأردن للاتحاد مع الدولة السورية تماشيا مع منطق التاريخ والجغرافيا ورغبة الشعوب، في حين أن المنافسين العرب، المحور المصري السعودي، سعوا لإحباط هذه الجهود. وكانت بريطانيا وفرنسا، القوى الاستعمارية السابقة، تتدخلان في السياسة السورية مباشرة أو من خلال شركائها العرب، في حين وجدت الولايات المتحدة الأمريكية موطئ قدم لها في سوريا مع وصول حسني الزعيم إلى الرئاسة عن طريق انقلاب عسكري انقلب بعده ضد مشروع سوريا الكبرى والهلال الخصيب، ووقع اتفاق الهدنة مع إسرائيل. أما روسيا فقد كانت بعيدة عن المشهد حتى وصول حزب البعث السوري العربي الاشتراكي إلى سدة الحكم في 1963م، ثم وصول حافظ الأسد إلى الحكم في 1970م ليختم بذلك سلسلة طويلة من عشرين انقلاب عسكري، وفي عهد الأسد ارتسمت بشكل واضح معالم السياسة السورية كلاعب أساسي في منطقة الشرق الأوسط:

التحالف العسكري مع الاتحاد السوفييتي، عسكرة الدولة واستغلال تناقضاتها الموروثة عن سايكس بيكو (الدروز، العلويين، المسيحيين) لمراقبة المكون السني الذي يعود له الفضل في تحرير البلاد من المستعمر الفرنسي، التعامل بكل دموية مع الحركات الإسلامية (مجزرة حماة)، التناغم التام مع السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، والاحترام التام لاتفاق الهدنة مع إسرائيل إلى درجة التواطؤ معها في حروبها ضد المقاومة (لبنان 1982م)، والاقتصار في دعم فلسطين على التهويل الإعلامي الضخم كضامن لزعامة سوريا للمقاومة وضرب أي مشروع إصلاح داخلي بتهمة العمالة لإسرائيل مع الانخراط في مسلسل السلام (ندوة مدريد، محادثات واي ريفر)؛ بل وقبل ذلك بكثير منذ فضيحة سقوط القنيطرة سنة 1967م حيث أعلن بيان للجيش السوري أمر به حافظ الأسد سقوط القنيطرة، ولم تكن قد سقطت بعد، حتى إن الإعلام الإسرائيلي لم يجرؤ على وصف حافظ الأسد بالعدو عند موته سنة 2000م، ولم يعد السياسيون الأمريكيون والإسرائيليون يحجمون في مذكراتهم وتصريحاتهم عن وصف حافظ الأسد بالعميل المخلص لإسرائيل…!

هل نطمع أن يتدخل الغرب – والولايات المتحدة تحديداً – بحكم زعامتهم للعالم المعاصر ورفعهم لراية حقوق الإنسان والعدل والحريات لوقف هذه المجازر النازية وهي التي لم تشبع من الأزمة الأفغانية رغم مرور سبع وثلاثين سنة على ذلك النزاع الذي دمر في أفغانستان كل شيء؟ بمعنى آخر: هل تمر الإستراتيجية الغربية بالضرورة عبر الدمار والمجازر حين نعلم أن قراراً دوليا بحظر الطيران سيوقف كل تلك المجازر تقريباً بحكم عجز النظام السوري عن التحرك في الميدان واقتصار شريكه الروسي في المجازر على القوات الجوية؟

إن استيعاب الخيارات الحقيقية التي تواجهها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتطلب فهما حقيقيا لما يجري هناك يمر عبر إدراك تاريخ المنطقة وجغرافيتها السياسية والدينية والعرقية والمذهبية، وإدراك الأهداف الغربية تجاه المنطقة عموما وتجاه الدول الممتصة للثروة على وجه الخصوص كمصر وتركيا والجزائر وسوريا والعراق والسودان. وعلى الرغم من نشوء دول عربية حديثة بعد الحرب العالمية الثانية، وتبني معظمها لخطاب معادٍ للقوى الاستعمارية الأوروبية القديمة، واعتمدتها جميع الأنظمة السياسية الحاملة للخطاب الوطني العربي المناهض للإمبريالية والصهيونية سواء كانت جمهوريات علمانية أو ملكيات وراثية؛ إلا أن الدارسين يعلمون جميعاً أنه لا يمكن أن نفهم سياسات المنطقة وصراعاتها دون النظر في خرائط “سايكس وبيكو” والروح التي كانت تحدو ذانك الشخصين حين رسما تلك الحدود في الوقت الذي كانت تعد فيه بريطانيا الشريف حسين بالمملكة العربية الواحدة الموحدة جزاء له على ثورته ضد العثمانيين، وهي الروح التي لا تريد لرعب أوروبا أن يتكرر حين كانت جيوش العثمانيين تقف على أسوار فيينا، وحين كان المغاربة يتجولون في بساتين مجريط (مدريد حاليا) وغاباتها، كما يتنزهون في أطراف بغداد تماما بتمام.

الفرق اليوم هو أن الغربيين قد تعلموا أن يهزمونا من الداخل بعد أن تعلموا أن الهزيمة الخارجية ليست سوى صولة قصيرة ستعقبها بالضرورة جولة للإسلام لن يهزم بعدها حتى أمد بعيد هزيمة الداخل تعني بالضرورة التبعية والتغريب والتجزئة والتقسيم واليهودية والصهيونية وهذه الثلاثة تمر في الإستراتيجية الغربية عبر تحطيم المكون السني الذي يرفض التقسيم، ويستعصي على التغريب ويعد بمحاربة الصهيونية.

الولايات المتحدة تفضل ألا تتدخل مباشرة في مجازر سوريا ما دام الدب الروسي المتعود على المجازر يقوم بالمهمة على أحسن وجه، ففي القرن الماضي قتل في روسيا عشرات الملايين من الجنود والمدنيين في الحرب الأهلية بين الحمر والبيض، وبعد الثورة البلشفية في عهدي لينين وستالين خاصة وخلال الحرب العالمية الثانية، ولذلك فلن يجد الروس غضاضة في قتل يضع مئات من الآلاف لقاء تثبيت وجودهم في سوريا التي غدت تعتمد عليهم كلياً، ولقاء اعتراف أمريكي بالمهمة القذرة التي يقوم بها الروس بالوكالة عن الغرب كله الذي يريد عبر إنهاك السنة بالمجازر تحييد دورهم في أي حل سياسي قادم.

روح سايكس بيكو تقول للغرب إن الشعوب هي آخر العقبات في طريق إقامة دويلات من ورق دورها الوحيد هو بالضبط لا دور لها بعدما أفلحت الهجمة الغربية المعاكسة بعد ثورات الربيع في قلب كل الموازين، حتى غدا الأحرار يتعوذون بالله من الثورة على الطغيان حتى لا يفتح عليهم الغرب بوابات الجحيم، وهو فاتحها لا محالة على الجميع.

عن المحرر

شاهد أيضاً

المعاملة هي روح التدين الحـــــق..

مداني حديبي/ ألا تتعجب معي لحال ذاك المتدين الذي يلزم الصف الأول ولا تفوته تكبيرة …