الرئيسية | كلمة حق | رحلة أم البواقي/ عمار طالبي

رحلة أم البواقي/ عمار طالبي

اتجهنا بعون الله إلى ولاية أم البواقي، أم قراها وعاصمتها بمعية الأخ الأستاذ طارق بن شين مسؤول التنظيم، وعضو المكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقصد إعادة تنظيم الشعبة الولائية بها، لتنطلق في نشاطها بفعالية وانسجام في هذه المنطقة التي يشهد لها تاريخها بنشاط علمائها وأسرها أمثال الشيخ تلي الطيب والشيخ بلقاسم الزغداني عضو جمعية العلماء وتلميذ الشيخ عبد الحميد بن باديس.

انطلاقا من الجزائر العاصمة، بسيارة يقودها السيد محمد مرورا بولايتي البويرة، وبرج بوعريريج، وأخذنا غداءنا في منطقة “يشير” التابعة إداريا لولاية برج بوعريريج، إلا أن الأخ طارق كعادته في يوم الخميس كان صائما واتجه إلى مسجد للصلاة، ثم أخذنا نبحث عنه وعن المسجد فوجدناه إزاء هذا المسجد الذي لا يرى عن بعد.

واتجهنا إلى عين مليلة بعد المرور على سطيف والعلماء وشلغوم العيد، ثم اتجهنا إلى التلاغمة، ومنها وصلنا إلى عين مليلة.

واستقبلنا إخوة فضلاء بهذه المدينة الجميلة بهوائها الطلق، ومناظرها الطبيعية البديعة الساحرة، تحدق بها جبال، وكانت سلطة الاستعمار اتخذتها “مركزا للتدريب العسكري”.

وكانت بها جمعية خيرية أسسها الخيرون المحسنون من المدينة وأولو الغيرة على الوطن أمثال السيد رحال قندوزي أحد أولي العزم والحزم، والسيد عمر شعلان أحد التجار من أغنياء البلد الذي أسس مسجدها، ومنهم العالم الفاضل المدرس الشيخ الأمين بن علي القنطري، وقد زار هذه البلدة الشيخ محمد الهادي السنوسي أحد تلاميذ ابن باديس الذي ألف كتابه: “شعراء الجزائر في العصر الحاضر”، وكان من كتاب الجزائر وشعرائها، كتب في “المنتقد” وفي “الشهاب”، وعلم في عدة مناطق في الجزائر وفي باريس؛ وتوفي بعد الاستقلال وهو من أخوالنا – رحمه الله زار- هذه المدينة سنة 1344هـ /1925م، وكتب عن زيارته كلمة عنوانها: “مشاهدات”، في العدد الثالث من الشهاب يوم الخميس: 9 جمادى الأولى 1344هـ، الموافق لـ: 26 نوفمبر 1925م، ص: 9.

استضفنا في عين مليلة أحد أمهر أطبائها في صناعة الجراحة الطبية العامة – الدكتور: ياسين خلال” في منزله الجديد، فتناولنا مأدبة العشاء ثم  استمتعنا بمسامرة طيبة تناولنا فيها مناقشة بعض المشكلات الثقافية ومسؤولية جمعية العلماء في وجوب قيامها بنشاط فعال، وتطوير منهجها بما يتناسب مع العصر وتحدياته، والحقيقة أن عليها مسؤولية كبرى، وينتظر المجتمع منها أكثر مما هي عليه اليوم – نسأل الله تعالى أن يوفقنا للقيام بالواجب الذي ينتظره شعبنا الخير المستعد لكل عمل صالح، ولكل مشروع نافع يستجيب لمتطلبات قيمنا وثقافتنا وتاريخنا وشهدائنا الكبار أمثال: الشهيد العربي بن مهيدي من هذه المنطقة، وأمثال: الشهيد مصطفى بن بولعيد وغيرهما رحمهم الله جميعا.

وبتنا ليلة في فندق بالمدينة، وفي الصباح اتجهنا إلى الحمام المعدني بالتلاغمة، ونعم هذا الحمام، حمام شاوش، ولكن الذي يؤسف له أن الطريق إليه خرب به حفر ومياه من سلكه إلى الحمام يمرض قبل أن يصل إليه، ولا ندري لماذا أهمل هذا الطريق الخرب؟ وندعو البلدية، ورئيس الدائرة وولاية أم البواقي بالاهتمام بهذه الحمامات المفيدة التي يقصدها الناس بكثرة، وهذا إذا تحسن الطريق سهل السياحة الداخلية، ويمكن أن يقصدها السياح من خارج الوطن.

والمؤسف له ما تراه على جوانب الطرق وفي الأراضي الزراعية من قطع البلاستيك تتطاير وتفسد الأراضي الزراعية، وتجعل البيئة في غاية القبح، بالإضافة إلى كتل من بقايا الطرق؛ وهذا عام في كل أنحاء الجزائر، ونرجو أن تمنع هذه الأكياس البلاستيكية في البلاد كما منعت في بلاد من أوروبا.

ومن التلاغمة اتجهنا إلى أم البواقي، واستقبلنا الأستاذ الكريم الحكيم الأمين شيبان، وأخذنا إلى الإذاعة المحلية وقلنا كلمة عن يوم الشهيد، وأخرى عن يوم العلم، وبعدها قصدنا المسجد العتيق في المدينة الذي افتتحه الشيخ عبد الحميد بن باديس في سنة 1936م، فبقي من معالم المدينة ومناراتها التي تشع على المدينة نور الوعي والثقافة.

ألقينا درس الجمعة عن الشهداء وفضلهم عند الله وعلى الناس والوطن، وأشرنا إلى بعض العائلات الكريمة التي كانت تحتضن أكفاء من جمعية العلماء كابن باديس والإبراهيمي والعربي التبسي ومالك بن نبي وتستضيفهم كعائلة قرام، وقلبي الطيب، ولا ننسى المجاهد الشريف بلقاسم وهو من هذه البلدة، وكتب له أن أقوم بتأبينه في مقبرة العالية لما جاءت جثته رحمه الله من فرنسا، وكلفتني أسرته بإلقاء كلمة تأبينية في مقبرة العالية رحمه الله تعالى.

وألقى خطبة الجمعة الشيخ العربي رئيس “جمعية الفرقان”، وهو عالم فاضل خير ذو نشاط فعال في هذه المدينة، وكانت خطبته مفيدة تحدث فيها عن الشهداء وفضلهم والتوجيه إلى الخير والعمل الصالح؛ وبعد صلاة الجمعة اتجهنا لتناول الغداء في منزل نائب أمين المال لشعبة الجمعية في الولاية السيد بوزيان، فأكرمنا غاية الإكرام مع البشاشة والترحاب بارك الله فيه.

وختمنا هذه الرحلة باجتماع مع أعضاء من شعبة الولاية والبلدية في مقر شعبة البلدية بأم البواقي، ونفذنا قرار المكتب الوطني بتكوين لجنة تقنية مهمتها الإعداد لعقد اجتماع الجمعية العالمة لانتخاب شعبة جديدة، وفتح الباب للانخراط في الجمعية، لمن يرغب في ذلك، من المؤهلين للعضوية وتسيير شؤون الشعبة ريثما يتم اجتماع الجمعية العمومية في ظرف ابتداء من هذا الاجتماع، ووجدنا كل استعداد للخير والنشاط، وتنفيذ القرار الذي اتخذه المكتب الوطني، واستبشرنا بهذه الأخوة والتشاور وقبول رأي الآخر والحمد لله رب العالمين. ونصبت هذه اللجنة رسميا، ولا أنسى أني زرت عين البيضاء لما كنت مديرا لجماعة الأمير عبد القادر، وألقيت درسا في مسجدها بحضور الشيخ الغزالي العمراني رحمه الله، وكان بها الشيخ المكودي، وأسرة الصائغي، وهؤلاء هاجروا من قريتنا جلال إلى هذه المنطقة واستقروا بها إلى اليوم.

وقد زرتها وعمري آنذاك حوالي عشرة أعوام، وشاهدت عينها الجارية في مدخلها من طريق خنشلة القديم، وما تزال في ذاكرتي إلى اليوم، لما اتجهت إلى تونس للدراسة بجامع الزيتونة سنة 1945م، كما زرتها بمناسبة أسبوع ثقافي أقيم بها وأكرمنا رئيس الدائرة بها في ذلك الوقت من السبعينات على ما أذكر والحمد لله على توفيقه وعونه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مارس اغــــرس يا غـــــارس !

أ د. عمار طالبي/ إننا في حاجة ماسة إلى أن نلتفت إلى الفلاحة والزراعة، فإنها …