الرئيسية | اتجاهات | هجوم استباقي صهيوني دبلوماسي على المقاومة اللبنانية/ محمد الحسن أكيلال

هجوم استباقي صهيوني دبلوماسي على المقاومة اللبنانية/ محمد الحسن أكيلال

 

لم يحدث في تاريخ الصراع العربي الصهيوني أن بلغت حدة الرعب الأمريكي الصهيوني ما بلغته في هذه الأيام؛ فبمجرد التأكد من إسقاط الطائرة “ف.16” من طرف صاروخ من نوع “ف.16F.16 ” تابع لقوات الدفاع الجوي السوري، وبالمناسبة فالصاروخ قديم من جيل السبعينيات وهو روسي الصنع، لم تتمالك الإدارة الأمريكية نفسها فقررت التحرك بسرعة لإيقاف التصعيد قبل فوات الأوان وتصبح الدولة اليهودية في خبر كان.

الترتيبات والتدابير

أولى التدابير التي قررها البيت الأبيض إرسال وزير الخارجية “تيلرسون” إلى الشرق الأوسط للقاء مع وزراء كل من نظرائه في مصر والأردن ولبنان للتباحث فيما تدعيه الإدارة الأمريكية بمبادرة جديدة للسلام واستئناف المفاوضات بين الحكومة الصهيونية والسلطة الفلسطينية التي قررت رفض الوساطة الأمريكية بعد افتضاح أمرها من كونها منحازة كل الانحياز إلى جانب العدو الصهيوني.

الجولة لم تكن لتكون لولا عملية جس النبض التي قامت بها الحكومة الصهيونية للقيادة اللبنانية بالمبادرة الهجومية حول موضوع عملية التنقيب عن البترول والغاز في المياه الإقليمية الدولية في “المربع 9” الذي أرادت حكومة الكيان الصهيوني أن تضم موقعه إلى مياه فلسطين الدولية بالتوازي مع بناء جدار إسمنتي في الخط الأزرق الذي وافقت على رسمه الأمم المتحدة على حدود فلسطين ولكن داخل الأراضي اللبنانية؛ كانت الحكومة الصهيونية تريد أن تلعب على حبل التناقضات والخلافات اللبنانية اللبنانية مثلما كان يحدث في الماضي، ولكنها فوجئت هذه المرة أنها أخطأت التصويب ووجدت نفسها أمام جدار لبناني متين يستحيل اختراقه، فلأول مرة يقرر الرؤساء الثلاثة اللبنانيون رفض أي مساس بالسيادة على الأرض والمياه الإقليمية اللبنانية وهذا بالاعتماد على قوة الردع التي يمتلكها هذا البلد الصغير – جغرافيا – المتمثلة في المقاومة في حزب اللـه.

لقد استقبل الرئيس اللبناني “ميشال عون” وزير الخارجية الأمريكي وأجابه بلغة الواثق من نفسه والعارف بحدود بلاده وبكل القوانين والمواثيق والأعراف الدولية بأن لبنان يعتبر أي مساس بسيادته على أرضه ومياهه بمثابة إعلان حرب ضده سيجابهها بكل قوة.

إيقاف الذعر في إسرائيل

الإدارة الأمريكية التي تعاني من الضغوط الداخلية بسبب ضجيج التحقيق الذي يجريه مكتب التحقيقات الفدرالي حول التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة كان لابد لها من الظهور بمظهر القوة العظمى التي تحمي الكيان الصهيوني حين يشعر بالخطر المحدق، لذلك سارعت إلى إنزال دبلوماسي واستخباراتي إلى “ميونيخ” الألمانية التي تنعقد فيها الدورة الخمسون للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وهذه المرة أرسلت على رأس وفدها مستشارها للأمن القومي “ماكستر” معدّا خطابًا ناريًا ضد جمهورية إيران باعتبارها تشكل خطرًا على السلم والأمن الدوليين، وكان بخطابه هذا يستهدف حشد وشحذ همم دول العالم وعلى رأسها أوروبا الغربية والحلف الأطلسي الذي طلب منه خصوصا تشكيل قوة في سوريا للوقوف أمام إيران ووكلائها في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وهذا يعني استباق الأحداث وإيقاف نمو وتطور محور المقاومة العربية الإسلامية في المنطقة ضد الكيان الصهيوني خاصة والإمبريالية الأمريكية الغربية عامة لأن الأحداث تنذر بخطر وشيك على دولة الكيان الصهيوني التي أهدتها الولايات المتحدة الأمريكية بمناسبة احتفالها بالذكرى المئوية على صدور “وعد بلفور” مدينة القدس عاصمة أبدية لها كدولة يهودية في كل فلسطين.

المعروف منذ الأزل أن الأقوى لا يعترف بالهزيمة بسهولة، والأمريكي الذي اعتاد أن يكون الحاكم المطلق للعالم لا يقبل أن ينهزم في سوريا بواسطة أضعف قوة هي قوة الجيش السوري الذي يستنزف في أكثر من جبهة وحزب اللـه اللبناني الصغير عددًا وعدّةً مقارنة بالجيوش الأمريكية والجيش الصهيوني، وفصائل المقاومة الفلسطينية المحاصرة في قطاع غزة.

تصحيح الأخطاء

الهجوم الاستباقي الدبلوماسي لم ينس اتخاذ الاحتياط اللازمة باستدراك الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة في التعامل مع جمهورية تركيا إلى درجة أصبحت معها هذه الدولة الحليفة لها والعضو في الحلف الأطلسي قريبة جدًا من روسيا الاتحادية، بل وبدأت تفكر في فك الارتباط بالحلف والتحالف والعلاقات الاستراتيجية مع أمريكا، لذلك فقد عرج السيد “تيلرسون” على أنقرة بعد بيروت ليجري مباحثات طويلة وشاقة مع السيد “أردوغان” رئيس جمهورية تركيا؛ وقد قيل أن الطرفين توصلا إلى صيغة تفاهم لا يبدو أنها حقيقية لأن الولايات المتحدة الأمريكية المهمومة بأمن الدولة الصهيونية لا تأمن الجانب التركي في حالة حدوث حرب بين المقاومة والدولة الصهيونية وقد سبق لها أن أعلنت أنها لن تغادر الأرض السورية، بل أسست فيها قاعدة عسكرية وجندت وسلحت أكثر من ثلاثين ألف جندي كردي باسم الحركة الديمقراطية لتحرير الشام، أكثر من هذا لم ولن تستسيغ تأثير الاتحاد الروسي ونفوذه في المنطقة بتحالفها مع إيران وسوريا، وهي منذ البداية كانت بصدد إعادة تقسيم كل من العراق وسوريا إلى دويلات طائفية وهذا ما لا ترضاه حتى المعارضة السورية نفسها، وهذا ما جعلها تنكشف وتنهزم سياسيا وعسكريا، وقد يحدث لقاعدتها في أدلب ما حدث لبارجتها عام 1982 في ميناء بيروت أثناء الحرب الأهلية في لبنان أو ما حدث لقواتها في الصومال في بداية التسعينيات من القرن الماضي.

الهجوم الدبلوماسي الاستباقي إلى كل من الشرق الأوسط وأوروبا لا يبدو أنه حقق النجاح المرجو لأن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الرئيس “ترمب” منذ توليه الرئاسة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني وقضية فلسطين جعلت الكثير من حلفائها الغربيين يمتعضون أشد الامتعاض من هذه المواقف التي أصبحت فعلا تشكل خطرًا على السلم والأمن في المنطقة. والدول الأوروبية الكبرى كبريطانيا وفرنسا وألمانيا مقتنعة بالموقف الإيراني وقد بادرت هذه الدول لعقد صفقات للاستثمار فيها، وهي تعلم أن ما تفعله أمريكا لا يعدو كونه ضغوطًا وابتزازًا لتقبل بعدها طهران بشروطها التعجيزية، وهذا ما لا يحدث لأن إيران تمتلك من مقومات القوة ما يجعلها تزداد تشددًا باعتبارها في موقع تفاوضي أقوى لأن موقعها من الناحية القانونية والمنطقية سليم جدًا إضافة إلى كونها من الناحية الجغرافية والثقافية والحضارية والدينية الأقرب إلى شعوب المنطقة حتى ولو كان بعض الحكام فيها قد ابتلعوا الطعم الصهيوني وأصبحوا عمليا أكثر قربا من دولة الكيان الصهيوني لقناعتهم الخاطئة بالاعتماد عليها في حمايتهم من العدو الإيراني حسب تصوراتهم التي تخلو من أي ذكاء سياسي أو إدراك لكل ما هو استراتيجي.

تهور “نتانياهو” يصعب مهمة أمريكا

دولة إسرائيل من جهتها لا تبذل أي جهد لمساعدة حليفتها أمريكا، فهي أصبحت فعلا عبئا أمنيا واستراتيجيا وخاصة في السنوات الأخيرة التي تغول فيها المتطرفون وأصبحوا يشكلون الأغلبية الساحقة في المجتمع اليهودي وفي البرلمان المكون منهم؛ فبدل أن تكبح جماح هؤلاء راحت تزايد في تلبية رغباتهم الجامحة في بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة           عام 1967 وهذا ما يجعل من مجرد تفكير عقلاء الإدارة الأمريكية في صياغة مبادرة سلام جديدة من المستحيلات.

“نتانياهو” الذي يضايق عنقه طوق الاتهام بالفساد الذي أوصت به الشرطة هو أيضا لم يجد من مخرج غير إبعاد أنظار الداخل إلى التهديدات الخارجية، وبسقوط الطائرة “ف.16” بدأت المخاوف تجتاح المجتمع، وهو في حاجة إلى رفع المعنويات التي تتطلب مغامرة عسكرية قد تكون ضد حركة حماس في قطاع غزة، وهذه المرة لابد له من إجراء حسابات دقيقة قبل الإقبال عليها وإلاّ فإنه سيفتح بنفسه أبواب الجحيم على شعبه ودولته.

ما لا يخطر على بال هو توظيف الأمين العالم للأمم المتحدة “غوتيريس” ليساعد أمريكا والصهيونية العالمية في ضغوطاتها على لبنان والمقاومة بالنصح بلهجة قوية لترك دولة إسرائيل تفعل ما تشاء في الخط الأزرق والمياه الإقليمية اللبنانية، هذا الرجل المعروف في الماضي بالتقدمي والمناضل من أجل السلم والديمقراطية وحقوق الإنسان، يبدو أنه هو أيضا أصبح يخاف على المنصب والمرتب وتناقص ميزانية الأمم المتحدة.

المؤكد أن الوضع في سوريا وصلت خطورته إلى حد ينذر بانفجار حرب عالمية، فأمريكا التي تدعي حماية السلم والأمن في العالم في الحقيقة هي التي جعلت من هذا الأمن والسلم رهينة في يدها تهدد به الدول الكبرى التي تشاركها في هذه الحماية مثل روسيا والصين الشعبية، وهي بحمايتها لدولة الكيان الصهيوني من المجتمع الدولي فلكونها تمارس ابتزازًا قذرًا ضد العالم الذي يعرف بأن هذا الكيان بحيازته للأسلحة النووية أصبح هو الآخر من أسلحة أمريكا لهذا الابتزاز. لكن العالم وعلى رأسه مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة لابد له من إيجاد وسيلة لإيقاف التدهور ووضع اليد على هذه الأسلحة النووية التي اشتركت دول كبرى أعضاء في مجلس الأمن في تمكين الصهاينة من امتلاكها مثل فرنسا، وأهم وسيلة لتحقيق ذلك هو فرض تطبيق قوانين وقرارات الشرعية الدولية.

لقد آن الأوان لإرسال قوات الأمم المتحدة إلى فلسطين لحماية الشعب الفلسطيني من جيش الاحتلال وإعلان دولة إسرائيل دولة احتلال عنصري متمردة على الشرعية الدولية وإيقاف كل التبادل معها.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

رفـــــع الـمـــــــلام عن الإسلاميــــــين

عبد العزيز كحيل/ الاسلاميون هم انصار المشروع الإسلامي، دعاة، مصلحون، سياسيون، علماء، شرائح اجتماعية متعددة …