الرئيسية | في رحاب الشريعة | الصناعة النقدية.. والتواريخ الحاسمة/ محمد عبد النبي

الصناعة النقدية.. والتواريخ الحاسمة/ محمد عبد النبي

قواعد النقد التي أثبت بها الأئمة هذا الحديث أو ذاك هي قواعد اجتهادية، وما يصححه هذا المحدِّث قد يحسِّنه أو يضعِّفه آخر، وما قد يفوت هذا الناقد يستدركه آخر، ولا يزال النظر الحديثي يمدُّ الباحثين بما يمكن اعتباره إضافة في هذا الجانب أو ذاك، وقد يتفق الكثيرون على سياقة أمر في حديث بعينه، يخالفهم فيه غيرهم، وقد يجانب الكثرةَ الصواب، ويُكتب للخطأ الشيوع ! وما أوتي البحث العلمي إلا من التقليد، وإيثارِ التردّد على الحسم، ولو راجع المختصّون بعض ما يشكل في هذا التراث ما تجرّأ الدخلاء على مقام الصحيحين، يعبثون فيهما كيفما شاء لهم العبث، يسعفهم في ذلك مَن لا يرجو للثوابت قدرا.

أخرج الإمام مسلم (2/1105) عن عكرمة بن عمار عن سماك أبي زميل قال: حدثني عبد الله بن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال: “لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه، قال: دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب، فقال عمر، فقلت: لأعلمن ذلك اليوم، قال: فدخلت على عائشة، فقلت: يا بنت أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ما لي وما لك يا ابن الخطاب؟ عليك بعيبتك (أي عليك بخاصتك وموضع سرك، والمقصود عليك بابنتك) قال فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت لها: يا حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله: لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك، ولولا أنا لطلقكِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت أشد البكاء…” انفرد مسلم بإخراجه، وقد اتفقا عليه من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس بسياقه وألفاظ مختلفة، عما ورد من طريق عكرمة بن عمار عند مسلم وحده.

الذي دفعني للنظر في هذا الحديث أنه سيق بإسناد كان لبعض العلماء فيه مقال، وهو إسناد عكرمة ابن عمار عن سماك عن ابن عباس، وهو نفسه الذي أخرج به الإمام مسلم (4/1945) قول أبي سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم:”عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها…”والثابت أن أم حبيبة كانت أصلا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من سنتين ونيّف قبل الفتح، كما اتفق على ذلك أهل التاريخ، ووافقهم ابن حزم وابن القيّم في كلام قوي، يدحض كل التأويلات التي سيقت، من أجل الحفاظ على هيبة الصحيح.

وقد ورد في رواية مسلم هذه التي انفرد بها قولُه: “قبل أن يؤمرن بالحجاب” قال الحافظ ابن حجر في الفتح (9/285) مستدركا:”..كذا في هذه الرواية، وهو غلط بيِّن، فإن نزول الحجاب كان في أول زواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش.. وهذه القصة كانت سبب نزول آية التخيير، وكانت زينب بنت جحش فيمن خُيِّر..”.

وفي سياق بيان خطأ هذه العبارة عند مسلم أشار ابن حجر في نفس الموضع إلى رواية أخرى مختصرة عند البخاري (7/32) وفيها قول ابن عباس:” أصبحنا يوما ونساء النبي صلى الله عليه وسلم يبكين، فخرجت إلى المسجد فجاء عمر…” قال ابن حجر:” فحضور ابن عباس ومشاهدته لذلك يقتضي تأخر هذه القصة عن الحجاب، فإن بين الحجاب وانتقال ابن عباس إلى المدينة مع أبويه نحو أربع سنين، لأنهم قدموا بعد فتح مكة، فآية التخيير على هذا نزلت سنة تسع، لأن الفتح كان سنة ثمان، والحجاب كان سنة أربع أو خمس..”

و لتأكيد الوهم المذكور أضاف ابن حجر:”..وهذا من رواية عكرمة بن عمار، بالإسناد الذي أخرج به مسلم أيضا قول أبي سفيان: عندي أجمل العرب أم حبيبة، قال: نعم، وأنكره الأئمة، وبالغ ابن حزم في إنكاره (يقصد إلى حد التكذيب) وأجابوا بتأويلات بعيدة، ولم يتعرض -أي ابن حزم- لهذا الموضع، وهو نظير ذلك الموضع، والله الموفق…”فيكون ابن حجر قد وافق على إثبات الوهم في الموضعين !

وأورد ابن حجر-في نفس الموضع لكن بعد أسطر- (9/286) دليلا آخر على الوهم المشار إليه، فقال:”.. ومما يؤيد تأخّر قصة التخيير ما تقدم من قول عمر في رواية عبيد بن حنين (أي التي عند البخاري:7/152).. وكان مَن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقام له، إلا ملِك غسان بالشام، فإن الاستقامة التي أشار إليها إنما وقعت بعد فتح مكة…وكانت العرب تَلوَّمُ بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم انتهى. والفتح كان في رمضان سنة ثمان، ورجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في أواخر ذي القعدة منها، فلهذا كانت سنة تسع تسمى سنة الوفود، لكثرة مَن وفد عليه من العرب، فظهر أن استقامة مَن حوله -صلى الله عليه وسلم- إنما كانت بعد الفتح، فاقتضى ذلك أن التخيير كان في أول سنة تسع..وممن جزم بأن آية التخيير كانت سنة تسع الدمياطي وأتباعه، وهو المعتمد..”.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …