الرئيسية | أقلام القراء | سجال مع أستاذ جامعي حول مقال ( الكيان الشاذ )/ د. إبراهيم نويري

سجال مع أستاذ جامعي حول مقال ( الكيان الشاذ )/ د. إبراهيم نويري

قبل عدة سنوات تصرّمت كتب أديب وديبلوماسي سعودي مرموق المنزلة هو الأستاذ عبد الله الناصر ( أبو عبد العزيز ) مقالا مهما بعنوان ( الكيان الشاذ ) وذلك في أكبر صحيفة يومية سعودية هي صحيفة ( الرياض ) وَصَفَ فيه الاحتلال الصهيوني البغيض لأرض فلسطين بما يستحق من أوصاف، وقد أفاد وأجاد ونسأل الله أن يجعل ذلك في صحيفة أعماله الناصعة؛ لكن لم يكن يخطر على بالي أن مقاله المذكور سوف يفتح سجالا ساخنا بين القراء؛ ومن بين تلك السجالات والمناقشات التي أعقبت المقال، ما حصل بيني وبين أستاذ جامعي من المملكة العربية السعودية، رمز لاسمه بوسم [أستاذ جامعي أدب]..وبما أنّ القضية الفلسطينية طالها تطوّر خطير نتج عن القرار الأهوج الأرعن للرئيس الأمريكي الهائج من أجل إسرائيل والصهيونية، فقد أحببت إطْلاعَ القراء على ما دار بيننا من سجال حول بعض القضايا التي تتعلّق في مجملها بتاريخ فلسطين وبعدالة قضيتها الحالية التي هي قضية الأمة في مجملها، وبتداعيات الاحتلال الصهيوني/ الغربي لهذا الجزء الحساس من كيان الأمة العربية والإسلامية.

كانت البداية بتعليق بسيط سجّلته على المقال، وقد جاءت صياغته كالتالي:

ــ تحية لأديبنا الفذ الأستاذ عبد الله الناصر ( أبو عبد العزيز ) في مقالكم اليوم أحسنتم الوصف، ووضعتم الأصبع على الجرح، لأن سبب المشكل أساسا هو الاحتلال، وهذا ما بدأ بعضُ العرب مع الأسف يتجاهلونه حينما يلومون المقاومة الفلسطينية!! كأنما يريدون منك أن تحتضن قاتلك وسارق بيتك، ما لهم كيف يحكمون؟ إلى الله المشتكى!! (انتهى).

لكنني فوجئت بهذا التعليق للأستاذ الجامعي: مع كامل تعاطفي ومحبتي وتمنياتي بالخير والسلام لإخوتي الفلسطينيين لكن أولا: لا اجتهاد مع وجود النص يا أبا عبد العزيز سلمك الله. ألم تقم مملكة سليمان هناك؟ ألم يقتل داود جالوت على مشارف أورشليم؟ ألم يعش يعقوب وبنوه هناك؟ كلّ ذلك مذكور في التنزيل العزيز.

ثانيا: مع ما يُذاع من تكبر اليهود إلخ، لكنك تسطيع أن تتزوج إسرائيلية ولا يمكن أن يحدث العكس مع العربي حتى لو اتّحدت الديانة بين العربية والإسرائيلي.
وبالمناسبة: إسرائيل هو يعقوب أو جاك ( جاكوب ) عليه السلام .

الحقيقة موجعة يا أبا عبد العزيز لنا جميعا، لكنها كالنحلة تلسعك وتعطيك العسل، أريد أن أصل من خلال ذلك إلى وجوب التعايش بين الطرفين وقبول كلّ منهما الآخر على علاته، أو ما البديل؟ تطاحن إلى يوم الدين؟ الرأفة الرأفة بالعجائز والشيوخ والصبية والضعفة من عباد الله وإمائه. ( انتهى ) .

  • عندما طالعت هذا التعليق حزّ في نفسي أن يصدر مثل هذا التفكير المعوج من فكر وفهم أستاذ جامعي عربي، فقرّرت مناقشته، فكتبت ما يلي:

ـــ إلى الأخ الأستاذ الجامعي الموقر: أرجوك يا أستاذ يجب أن تقرأ القضية بدقة، إن المسألة ليست مع اليهود التاريخيين، فهؤلاء هم يهود الشرق، وهم موجودون في كل الأقطار العربية دون استثناء، وكانوا في المدينة المنورة إبّان دولة الرسول الكريم، وفي مصر قبل ذلك بآلاف السنين، والتوراة نزلت في مصر باللغة المصرية القديمة ” الهيروغليفية ” وموسى عليه السلام، مواطن مصري عاش في مصر ومات في مصر ولم يدخل أرض كنعان يوما، فحسب منطقك وفهمك فإنّ مصر أولى بهم من فلسطين؟ فما علاقة يهود الشرق وهم مواطنون مبجّلون عبر تاريخ الإسلام كله، بالدولة الصّهيونية التي لم يُقمها هؤلاء؟ وإنما أقامتها الصهيونية العالمية منذ مؤتمر بازل  بسويسرا 1897 م ودليل ذلك سيدي أن قادة ” هذا الكيان السرطاني ” كلهم دون استثناء مولودون في بولندا وروسيا والمجر وبريطانيا إلخ ،،، حتى هذا المجرم ليبرمان وزير خارجية الكيان الصهيوني من مواليد روسيا،،، فما علاقة كيان أقامه صهاينة من جنسيات غربية مختلفة باليهود أيام داود وسليمان ويعقوب عليهم السلام في أرض الكنعانيين العرب وموسى عليه السلام في مصر..أليس حسب فهمك هذا من حقهم أن يؤسسوا دولة في المدينة المنورة لأنهم كانوا جزءا من مواطني الدولة الإسلامية الأولى. وفي (العلا) و ( تيماء ) حيث كان يعيش بعضهم في العصر الجاهلي، ومنهم الشاعر الجاهلي المشهور ( السموأل )؟؟ … أنا أتأسف لأنه إذا كان هذا فهم أستاذ جامعي للقضية الفلسطينية فكيف نلوم البسطاء ممن ليس لهم حظّ في الاطلاع والفهم؟ إلى الله وحده المشتكى!!!

وأردفت بالقول: إنني أكتب هذا التوضيح ليس ردا على الأستاذ الجامعي وأنا زميل له لأنني أستاذ جامعي مثله، وإنما حرصا على بيان وإيضاح حقيقة تاريخية ينبغي على أجيالنا الجديدة أن تفهمها على حقيقتها وبأدلتها كي لا يقع أي لبس قد يُسهم في تضييع حقنا كأمة مسلمة وكعرب أيضا في فلسطين، ولعلي أضيف دليلا آخر وهو أنّ مَن حضروا مؤتمر بازل نسبة إلى مدينة ( بازل السويسرية ) اقترحوا أكثر من منطقة لإقامة الكيان الصهيوني وهي: تانجنيقا في أوغندا شرق إفريقيا والأرجنتين وفلسطين؛ وشاء القدر أن يصل أحدُ زعمائهم إلى موقع “وزير” الخارجية في بريطانيا وهو ” بلفور ” وكانت فلسطين يومئذ تحت الاحتلال البريطاني، وعليه أصبحت الظروف مواتية لإقامة الكيان المرتقب على أرض فلسطين.

ثمّ استتليتُ قائلا: والسؤال المهم الآن: هل مَن كان له وطن مغتصب يقترح أكثر من ثلاثة أصقاع أرضية لاستعادته؟؟ فهل هو وطن موزع على ثلاثة أوطان بينها مسافات هائلة جدا ( أوغندا وفلسطين والأرجنتين ) ؟؟..اسألوا إن شئتم جمعية ناطوري كارتا اليهودية فهي أفهم من بعض العرب والمسلمين للمسألة الفلسطينية وهي منظمة يهودية تناضل ضد دولة إسرائيل؟ لأنها تعلم حقيقة التوراة وحقيقة التاريخ العربي الكنعاني قي فلسطين المحتلة.

أخيرا أشكر صديقنا الأديب المفكر عبد الله الناصر الذي أتاح مقاله ( الكيان الشاذ ) هذا النقاش وهذه الإيضاحات المفيدة خدمة لقراء صحيفة الرياض الغراء ولمتابعي زاوية ( بالفصيح )..والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

  • بعد هذا التوضيح كنت أحسب أن السجال سوف يتوقف، بيد أن الأستاذ الجامعي كتب تعقيبا آخر قال فيه:

ــ الأستاذ الجامعي: أخي الحبيب إبراهيم نويري يبدو أنك ممن يبترون الأشياء عن أصولها، تقول إن سيدنا موسى – عليه السلام – مواطن مصري فهل يحق لليهود المطالبة بمصر؟ ناسيا أو متناسيا أخي الكريم أن آباء موسى قد قدموا إلى مصر من فلسطين (أجانب) على إثر استدعاء سيدنا يوسف لهم {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}[يوسف 93] .. وتقول: إن اليهود سيطالبون بالعلا في المدينة المنورة ناسيا أو متناسيا أن أولئك القوم قد قدموا إليها (أجانب) تحرياً لظهور النبي الذي بشّرت به إصحاحات أسفارهم.
لكن قل لي بربك: هل كان يعقوب وبنوه أجانب في فلسطين؟ كلنا نعلم بداياتهم فيها حينما قتل داود جالوت الكنعاني بمباركة الخالق جل وعلا، وبالتالي أصبحت بداية شرعية.

أنا ــ أخي الأستاذ الجامعي الموقر/ تحية لك… إنّ ما تفضلت به من إضافة متعلقة بإشارات واردة في القرآن لا غبار عليه، وقد أشرتُ إلى ذلك آنفاً بأن اليهود منذ القديم موجودون في كلّ أقطار الشرق فلا يخلو منهم قطر عربي أبدا إضافة إلى إيران وأفغانستان وأقطار مسلمة أخرى، لكنك لم تجب على الحقيقة الماثلة أمامنا وهي أن اليهود التاريخيين في الشرق لا صلة لهم بالكيان الصهيوني، فيهود الشرق مواطنون أصلاء حماهم الإسلام من إبادة النصرانية وغيرها، أما الصهاينة فهم دخلاء وغرباء عن فلسطين والشرق العربي كله، فهم من أصول وجنسيات غربية وروسية وبولندية، ويمكنك مراجعة سِير قادة هذا الكيان السرطاني، فلن تجد واحدا منهم ينتمي إلى يهود الشرق التاريخيين، هذه هي القضية الجوهرية، واسأل إن شئت “ناطوري كارتا “، أو اكتبها على “غوغل ” لتعرف بأن التوراة لا تبيح أصلا دولة لبني إسرائيل؛ أما الصهيونية المعاصرة فهي حركة علمانية لكن استثمرت في العقيدة الدينية وجعلتها متكأً لتبرير اغتصاب أرض فلسطين،،، ثم أخي الكريم متى كان الدين مبررا لاغتصاب الأرض، إن أبا الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام جاء من قرية ” أور ” العراقية، وقدم إلى مكة المكرمة وبها ولد ابنه اسماعيل، وهو من أصول عبرانية وهو أبو الأنبياء، فهل ذلك يتيح للعبرانيين أن يؤسسوا لهم دولة عبرانية في أم القرى وهي مهبط الوحي الخاتم ؟؟؟ إن الدين يا صاحبي لا يبرّر قيام الدول أبدا،، وقد أشرتُ إلى أن الصهاينة اقترحوا عدة مقترحات لإقامة كيان صهيوني كان من بينها فلسطين، فهل من يعتقد بوطن ضائع سليب منذ آلاف السنين يضع عدة خيارات وعدة احتمالات لإقامة هذه الدولة الوهمية؟ هذا أكبر دليل على أن فلسطين كانت ضحية وعد بلفور وليست ضحية العقيدة الدينية، لأننا إذا سلمنا بهذا المنطق فإن كل البلاد العربية باستثناء المغرب العربي هي لبني إسرائيل؟؟؟ لأن كل الرسالات السماوية نزلت في المشرق العربي،، ثم إن السيد المسيح عليه السلام رسالته في فلسطين فهل ذلك يبرر قيام دولة نصرانية في فلسطين؟ إن فلسطين عربية كنعانية يقينا والعقيدة الدينية لا تبرر اغتصاب الأرض ولم تكن كذلك يوما إلا الصهاينة فقد اتكأوا عليها لتبرير جريمتهم ولا غالب إلا الله ..

 ــ الأستاذ الجامعي: أخي العزيز إبراهيم نويري سلمه الله وسلم أبا عبد العزيز إذا سلمنا بما تقول على إطلاقه فأين ذهب اليهود الأصليون أهل أورشليم؟ هل ماتوا؟ هل انشقت الأرض وابتلعتهم؟ هل تمّت إبادتهم عن آخرهم؟ ثم لماذا أذاعوا قديما أنهم شعب بلا أرض مع أنهم كانوا يستوطنون أقطارا أخرى؟ أليس ذلك مؤشرا على عدم شعورهم بالانتماء الحقيقي إلى تلكم الأقطار وأن موطنهم الأصلي هو أورشليم؟ ولماذا نقرأ في سيرتهم أنهم كانوا يعيشون معزولين منبوذين في تلكم الأقطار؟ أليس ذلك مؤشرا على شعورهم بأنهم مختلفون عرقيا عن شعوب تلك الأقطار وعلى رغبتهم في الاحتفاظ بهويتهم؟ ثم لماذا رغبوا في إقامة كيانهم فوق هذا المكان دون غيره من الأماكن المقترحة الأجمل منه؟ أليس ذلك مؤشرا على وجود رباط وجداني بينهم وبين هذا المكان دون غيره؟ لِمَ لا نفترض أن القادمين من الشتات هم أحفاد الأصليين بعد حكم الله عليهم بالتيه:{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}[المائدة: 26] ، وإلا فكلنا صغيرنا وكبيرنا يعلم بأن أولئك القوم الجدد قادمون من الشتات روسيا وبولندا .. إلخ ..

 ــ أنا ـــ أخي المكرم الأستاذ الجامعي حياك الله،، اسمح لي أن أضيف أيضا إلى ما تفضّلت به.. يبدو لي بأن لديك خلطا واضحاً واضطرابا في فهم المسألة اليهودية/ الفلسطينية!! فأنت تقول أين ذهب اليهود الأوائل؟ والجواب أنهم تفرقوا في الأرض حسب رواية التوراة نفسها، والأرض المقصودة هي الأقطار العربية فهم موجودون بها دون استثناء وبعضهم ذهب مع المسلمين إلى الأندلس، ولما سقطت غرناطة خرجوا أيضا مع المسلمين وسكنوا عدة مدائن وحواضر مثل تطوان وطنجة وشفشاون (المغرب) وتلمسان وقسنطينة وتمنطيط ( الجزائر ) وجربة وجرجيس ( تونس ).. إلخ.. والصهاينة ليسوا أحفادا لليهود التاريخيين، لأن اليهود التاريخيين هم مواطنون ينتمون للبلاد العربية مثل يهود فلسطين ويهود اليمن ويهود العراق ومصر وتونس والمغرب . ولعل منظمة ناطوري كارتا هي أحسن من يعبر عن فهمهم للدين والعقيدة وفق الروايات التوراتية التاريخية الأصلية، أما الروايات التلمودية المحرّفة في متكأ الحركة الصهيونية فهي حديثة لأنها تأسست في مؤتمر بازل ( السويسرية ) بتاريخ 29 أغسطس آب 1897م .

ثم إني أراك تقول: يحق للمسلم الزواج باليهودية أو الإسرائيلية لكن لا يصح العكس؟ وهذه مسألة شرعية حكمةُ الشرع ظاهرة فيها، ولك أن تراجعها في مظانها الأصلية، لكنك لم تنظر إلى أننا نسمي من أبنائنا: ( إبراهيم، يعقوب، سليمان، داود، موسى، مريم، عيسى.. إلخ ) فهل وجدتهم يسمون: ( محمد، عمر، أبو بكر، علي، عثمان، خالد، فاطمة، خديجة..إلخ ) فأيّ الفريقين أشرف؟ فهل تسوّي بين أمة لا تفرّق بين الأنبياء والرسل {لا نُفَرِّق بَيْن أحدٍ من رُسُلِه} [البقرة: 285 ] ؛ وبين قتلة الأنبياء؟ فقد قطعوا رأس نبي الله  يحي عليه السلام وسلموه لامرأة لعوب!! ولعلك لا تجهل معاناة نبينا مع رهط منهم ومؤامراتهم الخسيسة رغم إحسانه الظاهر إليهم أما النصارى الكذبة أليس في عقيدتهم أن اليهود هم قتلة نبيهم السيد المسيح عليه السلام؟ فكيف يُسلّمون وطناً لا يملكونه لقتلة نبيّهم ؟؟؟ لقد صدق الأديب الإيرلندي الساخر “برنارد شو ” الذي كتب كتابا ــ حينما فهم هذه المهزلة فهماً عميقاً ــ سماه ( المسيح ليس مسيحيا)،، وهو أمر شبيه بما حصل في مؤتمر نيقية 325 م الذي دبر مؤامرة تبرئة اليهود من دم السيد المسيح بفعل مجهودات بولس، واعتناق قسطنطين الأول للنصرانية، وعندما درس القاضي عبد الجبار المعتزلي هذه المسألة قال ساخرا هو الآخر:[ الحق أن روما لم تتنصّر،، لكن النصرانية هي التي تروّمت] !!!
فهل بعد هذه الحقائق نماطل في قضية فلسطين وهي قضية الأمة المركزية ؟؟؟

 

ـــ الأستاذ الجامعي: بارك الله فيك أخي إبراهيم، لكن صدقني لولا أنهم مطمئنون في قرارة أنفسهم من أن لهم حقا تاريخيا في هذا الوطن الجريح لكانوا قد يئسوا على مدى عدة عقود مضت لم تهدأ فيها آلة الحرب، ولكانوا قد نكصوا على أعقابهم، وولّوا الأدبار بعدما اكتووا بنار الفدائيين الفلسطينيين عشرات السنين وبيعهم الحياة بثمن بخس في سبيل تحرير أرضهم، وها أنت ترى على سبيل المثال أمريكا وهي أعتى قوة على وجه الأرض قد يئست من البقاء في العراق بعد مرور سنين معدودة على احتلاله.

 ـــ أنا: شكرا على المناقشة الحرة، وأدعو صحيفة الرياض الغراء إلى فتح باب المناقشة حول تاريخ اليهود ونشأة الحركة الصهيونية المعاصرة، وعلاقتها ببعض التيارات الإنجيلية الغربية المتعصّبة التي تدعو بحماس وهوس غريب إلى ضرورة حصول صِدام مسلح يُسمّى ( معركة هرمجدون ) التي سوف يكون من تداعياتها ـــ حسب معتقدهم ـــ نزول السيد المسيح وحسمه للمعركة والخلاف المستحكم بين الفريقين، وإذا تدخل أهل الاختصاص سوف نرى بروز الحقيقة كاملة أمام أعيننا، لأنني فهمتُ من كلام بعض المتدخلين في هذا السجال التاريخي، أن الشعب الفلسطيني هو الدخيل على فلسطين وأن اليهود هم الأصلاء فيها، وهذا افتراء ظاهر العوار على الحقيقة والتاريخ، ألا ترون أن هذه المنطقة الجغرافية كلها عربية، فما معنى أن تكون فيها قطعة صغيرة مستثناة من العروبة؟ ومن أراد التأكد فإني أحيله على موسوعة ( اليهود واليهودية والصهيونية ) للمرحوم عبد الوهاب المسيري، ولمقالات الدكتور ( حسن ظاظا ) رحمه الله التي نشرها على مدى سنوات في مجلة الفيصل،،، فهذه الإحالات العلمية فيها مادة علمية غزيرة جداً وموثقة توثيقا علمياً محكماً.

ـــ أنا: أرجو أن يتدخل أهل العلم والاختصاص لبيان الحقيقة التي سوف تُظهر بأن فلسطين عربية الأرومة والجذور والتأسيس؛ ولا نتكلم عن العقائد لأنها تتغير بتعاقب الرسالات السماوية. والشكر موصول لكلّ من ساهم في هذا النقاش والسجال العلمي المليء بالفائدة والنفع ،، آملا أن تنشره ( الرياض الغراء ) في شكل مقال باعتباره سجالا فكريا علميا جاء في سياق التعقيب على أحد أبوابها الثابتة هو باب:( بالفصيح ) وتحديدا على مقال ( الكيان الشاذ ) الذي طرّسه يراع أديب كبير وكاتب مرموق المنزلة هو الأستاذ الدبلوماسي عبد الله الناصر،،، إنّ فلسطين عربية يقيناً بمنطق التاريخ وبصريح القرآن أيضا . يقول الله تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الإسراء: 1] .. فهل أسرى الله برسوله الكريم إلى أرض بني إسرائيل؟.. ألم يجعل الله تعالى القدس القبلة الأولى للمسلمين؟ إن القضية واضحة تمام الوضوح .. ثم هل شقّ على القراء العودة إلى المصادر القديمة التي وثّقت تاريخ  فلسطين توثيقاً علمياً كاملاً ؟ العجب كل العجب أن يشق على أصحاب قضية عادلة البحث والتنقيب وتحصين الأجيال من ترهات المشكّكين والمرتابين في عدالة قضية المسلمين المركزية .

 الأستاذ الجامعي ـــ يا أخا العرب، لم ننكر قط عروبة فلسطين الأزلية، فيكفي أن نعرف أن جالوت المقتول على يد نبي الله داود كان من العرب الكنعانيين لنفهم تلقائيا أن الكنعانيين هم الأصل، وأنّ اليهود هم الطارئون، والقصة مشهورة ومعروفة تعرفها جميع أجيال المسلمين المتعاقبة منذ ورودها في التنزيل العزيز في قوله تعالى:{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}[المائدة : 22 ]. وفي قوله أيضا:{فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}[البقرة:251] .

أنا ـــ الحمد لله يا أخي ظهرت الحقيقة، هذا ما يهمني…إذن اتضح أن العرب الكنعانيين هم الأصل البشري في فلسطين وأن اليهود طارئون ،، وأحيلكم على الحوار الذي دار بين الملك فيصل رحمه الله والجنرال ديغول، ابحثوا عنه في الشبكة، وكيف تمكن الملك فيصل من إقناع ديغول بمشروعية القضية الفلسطينية وباغتصاب الصهاينة لها ظلما وعدواناً، واتكاءً على أوهام عقدية مزيّفة !!

رجاء/ آمل من الإخوة المناقشين الإفصاح عن هُويتهم الحقيقية أليست الشجاعة تقتضي ذلك،،، إن الذي يؤمن بأفكاره عليه أن يظهر للناس ولا يهم أقَبلوا أفكاره أم رفضوها، فالناس أحرار فيما يعتقدون، وهذه قاعدة من أهم قواعد الإسلام الراسخة. والله الموفق إلى كلّ خير.

الأستاذ الجامعي ـــ ومنذ انتهت أحداث تلك القصة ( قصة جالوت) أصبحت سكناهم الأرض المقدسة شرعية مُقرّة من مالك السموات والأرضين سبحانه، ومن هنا فيا ليت العرب يقتنعون بالتقسيم، أو ستظل آلة الحرب تطحن إخوتنا الفلسطينيين إلى يوم الدين، وليس في أيدينا سوى العويل والنواح .

 أنا ــ أعرف أنّ بعض القراء لا يتأثر بكلام أهل الاختصاص كالمؤرخين والأدباء والمفكرين ونحوهم، كما يتأثر بكلام بعض القادة السياسيين، لذلك يسرني أن أقدّم لكم كلام الملك فيصل طيب الله ثراه ــ وقد كان من أعلام القادة المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية ــــ كما رواه المفكر الدبلوماسي السوري الكبير الدكتور معروف الدواليبي رحمه الله، والمقابلة منشورة في صحيفة الشرق الأوسط وهذا هو الرابط لتعميم الفائدة للقراء الأكارم، ولكل المتابعين المهتمين بقضية الأمة المركزية: http://classic.aawsat.com/details.asp?article=308534 &issueno=9710

  ــــ فيا  أخي على رِسْلِك من فضلك..إن فلسطين الحبيبة لم تصبح لهم منذ لحظة مقتل جالوت على يد داود عليه السلام. من قال هذا الكلام؟ هذا كلام خطير!!! إنك تسلّم لليهود بالحق في فلسطين وأنت تؤمن بأن العرب الكنعانيين هم الأصل، فما هذا التناقض؟ هل العاقل يسلّم بالاحتلال ولو كان قبل 4000 أو 5000 سنة؟
هذا لا يصح أبدا في عرف العقلاء .

 الأستاذ الجامعي ـــ يا دكتور إبراهيم رعاك الله أنا أقول لك قال الله تعالى وأنت تقول لي: انظر ما قال فلان وعلان رحم الله جميع أموات المسلمين وغفر لهم ولنا .
يا أخي أليس الحق ضالة المؤمن؟ أليس الحق أحق أن يُتبع.
فلسطين للعرب ولليهود معا، هذه حقيقة مرة، أو سنظل ننوح على إخوتنا ونحن متكئون على الأرائك وتحت هواء المكيفات وهم يُطحنون صباح مساء وليل نهار.

أنا ـــ اليهود مواطنون تحت وصاية الدولة الإسلامية، والإسلام فقط هو من حمى اليهود من الإبادة، هذه هي الحقيقة التاريخية الوحيدة . ولذاك نجد معظم اليهود التاريخيين في الشرق لا يحقدون على العرب، وهم يعتزون بمواطنتهم واقرأوا إن شئتم كتاب “الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري” للأستاذ والمؤرخ السويسري الكبير ” آدم متز ” والكتاب نقله إلى اللغة العربية، الفيلسوف والباحث الكبير الدكتور عبد الهادي أبو ريدة لتتأكدوا من الحقيقة، كما أحيلكم على مؤلفات الأخت ( مريم جميلة ) رحمها الله، وهي باحثة يهودية أمريكية أسلمت وحسن إسلامها وكتبت الحقيقة التي لا يمكن أن تُدحض وانتصرت للحقيقة التاريخية ولعقيدتها الإسلامية، أما بعض إخواننا العرب فهم مرتابون يشككون في الحقيقة؟ فأي بلاء هذا؟؟؟ وفي أي عصر نعيش؟؟؟

 الأستاذ الجامعي ـــ على كل حال سيقف حواري عند هذه النقطة؛
وبارك الله فيك يا دكتور إبراهيم وفي أبي عبد العزيز سلمه الله الذي أطلق شرارة هذا الحوار بيننا.

أنا ـــ جزاك الله خيرا أخي العزيز، ويعلم الله لو لم يكن ما ذكرتَ كلاما منشوراً تطالعه آلاف الأعين ما خططتُ حرفا، فمنطلقي الأوحد، إنما هو بيان الحقيقة لجمهور القراء، وكم نحن بحاجة إلى الوحدة والتآخي والتكتل لاسيما في هذه الظروف الحرجة.. ثم إن حق التاريخ وحق الأجيال الصاعدة يتمثل في أن نقول الحقيقة وأن ندرس هذه المسألة جيداً دون ملل أو كلل، فإذا عجزنا عن الفهم والبحث الجاد، ينبغي حينئذ أن نترك الكلمة لأهل الاختصاص ولذوي الباع الطويل في التنقيب والدراسة والبحث والغربلة والتمحيص ليسهّلوا علينا ما عجزنا عن إدراكه بصورة صحيحة. لا ريب أنّ هذا أمر مطلوب علمياً ومحمود أخلاقياً؛ وهؤلاء المختصون يصرخون بأنّ التاريخ بكلّ مقرراته ومستنداته يثبت بأن العرب اليبوسيين الكنعانيين هم الذين أسسوا فلسطين وبنوا القدس في بدايات العصر البرونزي منذ ما يربو على 6000 سنة. أي قبل نحو 2600 سنة على الأقل من ظهور الديانة اليهودية. هذه هي الحقيقة التي لا يجوز التفريط فيها مهما كان واقع الضعف الذي تمر به أمتنا في هذه المرحلة التاريخية الحزينة .

والله من وراء القصد.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …