الرئيسية | قضايا و آراء | الشقاء الأدبي داخل المجتمع/ جمال نصر الله

الشقاء الأدبي داخل المجتمع/ جمال نصر الله

في الدول التي تشقى فيها العقول، وتزدهر بالمقابل، وتزهو البطون والغرائز، هناك بلا شك خلل قائم في البُنى التحتية، ولدينا في هذا الشأن عدة أدلة من خلالها نستطيع أن نحكم ونطلق  -نقدر – القيمة على رأس هذا المجتمع أو ذاك؛ لكن حتى يبقى موضوعنا مضبوطا ومحتكما لطرحه نأخذ عينة حية في هذا الوطن الحبيب المهدر لدموعنا من الداخل، وهي ظاهرة أنه منذ أزيد من 30 سنة لا وجود لأثر مجلة أو دورية أدبية استطاعت أن تصمد أو تشكل جمهورا عريضا، فعلى الرغم من عدة محاولات من بعض الغيورين الذين فيما بعد ركنوا للواقع المُر، وقصدنا بمرارتها حقيقة لا تبتغي مزاحمة من أي كان، بسبب أنها وضعت أذرعها الأخطبوطية على كل مفاصل هذه الدولة شبه الحديثة…!

وفيما بعد طلعت علينا شعارات تترجى وتتوخى أن تصبح وتكون دولة مؤسسات؛ ولسنا ندري قبل هذا ماذا كانت؟ (هل هي دولة المزارع؟ أم دولة المافياويات؟ أم دولة الفلاحين؟).

عشنا الإقطاع طيلة 132 سنة، ثم عاود نفسه – والعياذ بالله – كالفيروز القاتل، وبلون آخر ومتخفي، لأن الإقطاعية هي نزعة عقلية متوارثة، ويستحيل استئصالها، إلا بفعل الثورات التي تُعلي من شأن المثقف، وتترك له حرية القرار؛ وأن تظل القطاعات الأخرى تابعة له وتحت إمرته، مثلما حدث في الثورة الفرنسية عام 1789م التي قادها كبار الأدباء والفلاسفة. وإذا عدنا إلى موضوع المجلات الأدبية بحكم أننا قد استعملناها كمعيار لقياس مدى ثقافة ومقرؤية المجتمع، نقر بأن – تقريبا – جل الدول العربية بها دوريات محترمة حافظت على بقائها وديمومتها لأزيد من نصف قرن، والسبب في ذلك هو الرعاية الدائمة من طرف الأنظمة وبعض المؤسسات. فالجزائر صراحة نموذج نادر ومحيّر أمام الباحثين الذين يذهب بهم الخيال إلى أن أصل المشكل هو في الغياب الكلي لهذا النوع من الرعاية التي من المفروض أن تكون…! والدليل على هذا هو ما كان موجودا خلال سبعينيات القرن الماضي؛ حيث كانت الدولة تولي اهتماما – ليس بالهين – لمفهوم التثقيف، وكأنه إجبار على التلقين، وهناك تجارب كثيرة جاءت بعد التعددية، ليس فقط تجربة الجاحظية،  وجمعية إبداع، ولكن مبادرات من هنا وهناك، قادها بعض المفكرين والباحثين؛ لكنها كانت لا تتجاوز العدد الثالث والرابع حتى تزول وتنقرض…! وهي بحركيتها هذه تشبه المد البحري الهادئ الذي سرعان ما يصطدم بصخرة عملاقة تمنعه من التقدم والازدهار والتنوير.

فالمبررات التي سمعناها من أصحابها تكون أقرب للحقيقة مائة بالمائة، لأنه لا يستطيع أحد أن يفضل أن يدفع من جيبه مقابل أن يتثقف الآخر…! ولا وجود لتضحية إذا تعلق الأمر برغيف الخبز. بعض الملاحظين اعتبروا هذا الانتكاس مقصودا، وأن سياسة التجهيل مبرمجة، لأن وجود مجتمع مثقف من شأنه أن يفرغ الوعي على جميع الأصعدة، منها الوعي السياسي الذي يزاحم بعض الأطراف التي لا تبتغي مغادرة الكرسي، بل تريده إرثا أبا عن جد، ومكسبا عائلي.

بهذا التفسير البسيط نستطيع أن نلخص حال بلدنا، الذي عاش فيه الأدب شقيا وهو لا يزال كذلك. ولا يستطيع أحد تدارك الأمور إلا بقدرة قادر، بحيث يتراجع دور العلم والمعرفة، وتطفو على السطح كل أنواع الرداءة والتفاهة؛ وهذا ما يريح الأطراف التي أشرنا إليها آنفا، لأنهم يريدون مجتمعا سطحيا مهترئا هزيلا في منظومته التربوية، وتائها في توجهاته الثقافية، بل مخدرا داخل المستشفيات، أسهل شيء هو طريقة الدخول إليه والعيش به مجانا…!

 

 

djamilnacer@gmail.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …