الرئيسية | في رحاب الشريعة | قطع المرأة للصلاة..بين البخاري ومسلم(2)/ محمد عبد النبي

قطع المرأة للصلاة..بين البخاري ومسلم(2)/ محمد عبد النبي

أخرج الإمام مسلم (2/1021) عن أبي الزبير عن جابر “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة، فأتى امرأته زينب، وهي تمعس منيئة لها، فقضى حاجته، ثم خرج إلى أصحابه، فقال: إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله، فإن ذلك يردّ ما في نفسه”.

ذكرنا في الحلقة السابقة الملمح المقاصدي الذي يمكن أن يُستند إليه في مناقشة ما ورد في الحديث من تصوير المرأة بالشيطان، وما يمكن أن يكون متكأ أيضا للإمام البخاري في تجنّب إخراجه، ونعرض اليوم لبعض الدقائق الإسنادية، التي تُسعف الملمح المشار إليه في تصويب موقف الإمام البخاري رحمه الله.

فقد ذكروا أبا الزبير-الراوي عن جابر- بشيء من الضعف وبالتدليس، وذكر ابن حجر في التهذيب (9/441-442) أن شعبة تركه، وأن أبا زرعة وأبا حاتم قد ضعّفاه، وقال في هدي الساري (442):” أحد التابعين مشهور، وثقه الجمهور، وضعفه بعضهم لكثرة التدليس وغيره، ولم يرو له البخاري سوى حديث واحد في البيوع، قرنه بعطاء عن جابر، وعلق له عدة أحاديث، واحتج به مسلم والباقون”.

واختصر القول فيه في التقريب (506) فقال:”صدوق، إلاّ أنه يدلّس…”.

وقد ذكر ابن حجر في كتابه النكت (1/287)- في سياق المفاضلة بين صحيح البخاري وصحيح مسلم-“أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تُكلِّم فيه لم يكن يُكثر من تخريج أحاديثهم، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها -أو أكثرها- إلا نسخة عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، بخلاف مسلم فإنه يخرج أكثر تلك النسخ التي رواها عمن تُكلِّم فيه، كأبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه، وسهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وحماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ونحوهم”.

وقد أورد له الذهبي في ترجمته في السير (5/384-385) مجموعة من الأحاديث، وعلّق عليها قائلا:”..فهذه غرائب، وهي في صحيح مسلم”.

ومن قبلِ الذهبي قال الترمذي (3/456) -عقب إخراجه للحديث-:”..   حديث جابر حديث حسن صحيح غريب..”

وأشار الطبراني إلى غرابة حديث مسلم، فقال في المعجم الأوسط (3/34):”لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا هشام، تفرد به مسلم”.

وقد أخرج مسلم الحديث من طريق هشام عن أبي الزبير عن جابر، ومن طريق حرب بن أبي العالية عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه النسائي في الكبرى طريق هشام،  وأتبعها بطريق حرب عن أبي الزبير مرسلا، ولم يذكر جابر بن عبد الله، وقال:”…هذا كأنه أولى بالصواب من الذي قبله”!.

قال الأستاذ صلاح الدين الإدلبي في موقعه على الإنترنت:” فكلام الترمذي يشير إلى صحة ظاهر الإسناد وغرابة المتن، وكلام النسائي يشير إلى إعلال الحديث عنده بالإرسال، لأنه أخـَّر رواية حرب ابن أبي العالية المروية عنده بالإرسال، وعلق عليها بأنها كأنها أولى بالصواب من الرواية الموصولة”.

وأما بشأن تدليس أبي الزبير عن جابر فقد وجدوا -في الحديث الذي معنا- أن أبا الزبير لم يصرِّح في كل هذه الطرق إلا في حديث عند الإمام أحمد في مسنده (23/77) قال:” حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير قال: أخبرني جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” إذا أحدكم أعجبته المرأة، فوقعت في نفسه، فليعمد إلى امرأته فليواقعها، فإن ذلك يردّ من نفسه”.

قال الشيخ شعيب الأرنؤوط عن متن الحديث:” صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لسوء حفظ ابن لهيعة”. بمعنى أن الطريق التي فيها التصريح بالإخبار ضعيفة، وهذا التصريح لا يَثبت به السماع !

وهناك أمر آخر مهمّ ذكره الأستاذ الإدلبي-في الموقع المشار إليه- ردّ به التصريح الوارد في رواية ابن حنبل، وهو:” اختلاف لفظ الرواية، إذ قد يكون أبو الزبير سمع من جابر هذا الجزء من الحديث دون غيره..” إذ لم يَرِد في رواية ابن لهيعة أنّ المرأة تقبل وتدبر في صورة الشيطان !

وكان الشيخ شعيب الأرنؤوط قد قال في هامش سير أعلام النبلاء (5/385) عن محمد بن مسلم بن تدرس أبي الزبير -تعليقا على إيراد بعض الأحاديث من كتاب مسلم وفيها هذا الحديث، وقول الذهبي:” فهذه غرائب وهي في صحيح مسلم-:” وتحرير القول في أبي الزبير أنه يُردّ من حديثه ما يقول فيه: (عن) أو (قال) ونحو ذلك، سواء كان حديثه في الصحيح أو غيره، لأنه موصوف بالتدليس، فإذا قال: (سمعت) و(أخبرنا) احتُج به…”.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

التكافل المجتمعي أعظم أساس في بناء الدولة القوية

الشيخ محمد مكركب أبران/ إن الأسس الكبرى لبناء الدولة نجملها فيما يلي: الأساس الأول: الحاكم …