الرئيسية | حديث في السياسة | شعور سياسي في رحاب الجامعة/ التهامي مجوري

شعور سياسي في رحاب الجامعة/ التهامي مجوري

في الأسبوع الماضي شرفني أصدقاء لي، أساتذة بجامعة باب الزوار، بدعوة لحضور حفل تكريمي على شرف أحد أساتذة الرياضيات، فحضرت وأعجبت بما رأيت وما سمعت، وخرجت من هذا المعقل العلمي الكبير، بشعور غير الشعور الذي دخلت به.

إن “الحديث في السياسة” الذي هو عنوان هذا الركن مستهجن في الجامعة وبين بعض الجامعيين؛ لأن الجامعة ساحة علم وليست مرتعا للتجمعات وبناء الأوعية الانتخابية..، ولكن مع ذلك يبقى مطلق الاهتمام بالشأن العام مطلوبا وهو جوهر الفعل السياسي المبصر؛ لأن الحديث في السياسة ليس مجرد مناسبة انتخابية تظهر في الاستحقاقات وتختفي في غيرها من الأيام.

على أن الجامعة وإن كانت معقلا علميا كبيرا، فإنها قبل ذلك محضن لطلبة وأساتذة، وهم من البشر، يشعرون كما يشعر غيرهم، بكل ما ينفع البلاد ويفسدها، ويأملون ويألمون كما يأمل ويألم غيرهم من الشعوب، ويتفاعلون مع الواقع الذي يعيشون فيه، فيعبرون بأساليب مختلفة ومتنوعة، فيقولون ويفعلون، انطلاقا مما يحسون ويشعرون؛ بل إن حركاتهم العفوية لا يمكن أن تعبر إلا عن مكنوناتهم وما يشعرون به من شرور وسرور في المجتمع عموما داخل الجامعة وخارجها؛ بل إن هذه الفئة هي أفضل معبر عن الواقع الإجتماع، باعتبارهم من المرشحين لفهمه والتفاعل معه أكثر من غيرهم.

وعندما دخلت الجامعة كانت تحدثني نفسي بما نعرف عنها من مفاسد أخلاقية وتجاوزات وغش و”تطباع علمي”… واستحضرت صورة للجامعة لا تزال بمخيلتي يوم كانت مسرحا “للحلوف” والكلاب الضالة، يتجولون فيها كما يتجولون في الغابات، ويوم كانت مرتعا لجميع الموبقات الثقافية والسلوكية والأخلاقية..، ولا أدري ما بقي منها في الواقع..، ولا أريد أن أعدد تلك المآسي؛ لأن ما أردت عرضه في هذه الوقفة هو قراءة سياسية للمحات قد تكون عارضة عند البعض، وعفوية عند البعض الآخر، ولا تعبر عن شيء عند فئة ثالثة، وهذه اللمحات هي:

  1. لقد تابعت في الحفل التكريمي المشار إليه طالبتين من نادي المتحدثين بالإنجليزية أرادتا المشاركة في الحفل المشار إليه بكلمتين تقدمتا بها باللغة الأنجليزية تكريما لأستاذهما، وأنا أتابع هذا المشهد شعرت بنشوة وقلت في نفسي؛ بل وهمست بها لمن كان بجانبي “وداعا فرنسا” غير مأسوف عليك وعلى ذيولك في البلاد..، ولعل هذا الشعور الذي انتابني، أننا في بلادنا عندما نذكر جامعة باب الزوار للعلوم والتكنولوجيا نذكر معها تلقائيا اللغة الفرنسية وفرنسا وتبجيل المتعلمين فيها على حساب المتعلمين في الجامعات الأنجوسكسونية…، فلو كان هذا المشهد في جامعة بوزريعة لكان الأمر طبيعيا..؛ لأن مجالات التخصص فيها، العلوم الإنسانية والآداب واللغات، أما أن يكون في باب الزوار، جامعة العلوم والتكنولوجيا، فلا يعني إلا أن الشباب الجديد قد تمرد على ذلك الواقع المتردي الذي تأذى منه المجتمع الجزائري عقودا من الزمن، ومنها على سبيل المثال أن الطالب يدرس كل مراحل التعليم باللغة العربية ولكنه لما يصل إلى باب الزوار وكلية الطب لا يسعه إلا “التفرنس”، وهذا الجيل الذي ترفع عن الفرنسية، وخطا خطوة عملاقة في تجاهل اللغة الفرنسية وأهميتها، فجنح إلى تعلم اللغة الإنجليزية ليتجاوز مآسينا التي لا تزال تطاردنا إلى اليوم، ولشعوره أيضا أنه في الحاجة إلى الإنجليزية أكثر من شعوره بالحاجة إلى الفرنسية، لارتباطها بالعلم والعلاقات الدولية، تجاوز بذلك منظري منظوماتنا التعليمية والتربوية التي لا تزال تصدع رؤوسنا بضرورة تعلم اللغة الفرنسية وأهمية التجربة الفرنسية.
  2. وبعد انتهاء الحفل التكريمي ودعت من أعرف من الحضور وانصرفت، وفي طريقي للخروج من الجامعة، جاءني شاب لا أعرفه وقال لي نحن مجموعة من الشباب أنشأنا ناديا للقراءة كنا نلتقي على صفحات الفايسبوك، واليوم عقدنا أول لقاء مباشر في رحاب الجامعة، فنحن الآن مجتمعون، لو تتكرم علينا بكلمة توجيهية، وطلب مني أن تكون كلمتي في أهمية القراءة وكيف نجعل الناس يقبلون على القراءة؟

وأهمية هذا المشهد تكمن في وجود مثل هؤلاء الشباب في هذا المكان واهتمامهم بالقراءة كأولوية في الحياة وبالذات في جامعة تخصصاتها علمية وتكنولوجية، لا علاقة لها بالآداب والفنون، ووجود مثل هذا المشهد يعني أن اهتمامات الطلبة تجاوزت الاهتمام بما جاءوا من أجله وهو الحصول على الشهادات التي سيعودون بها إلى بيوتهم، إلى الاهتمام بالشأن العام، والانشغال بمهام المجتمع المدني، والشعور بالمخاطر التي تهدد المجتمع، وربما لإدراكهم أن عدم القراءة والمطالعة في المجتمعات من مظاهر التخلف والابتعاد عن التحضر.

  1. إن جوهر البعد السياسي للجامعة؛ له علاقة بما تنتج من نخب مفترض أنها هي المسيرة للبلاد ومؤسساتها، ونسبة الفئة هذه التي على كاهلها تسيير البلاد ومؤسساتها لا تقل نسبتها على 11 بالمائة من مجموع الشعب في جميع التخصصات، كلها تخرجها الجامعة.

ومن هذه النخبة توجد فئة متميزة تمتلك مواصفات معينة، ليست في كل الناس، هي التي تحدث التغيير المطلوب في المجتمع. ذلك أن كل إرادة للتغيير الحقيقي تنطلق من الجامعة وكل ما عدا الجامعة تبع لها؛ لأن قيادات المجتمعات  دائما تستند للنخبة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …