الرئيسية | في رحاب الشريعة | رسالة رجل التربية بين الفريضة الحضارية والوظيفة المدنية/ محمد مكركب

رسالة رجل التربية بين الفريضة الحضارية والوظيفة المدنية/ محمد مكركب

فريضة التربية والتعليم رسالة من رسالات الرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، حيث المعلم رجل علم ودعوة وإرشاد بالنسبة للمتعلمين من تلاميذه وطلبته، ورسالته في التربية والتعليم فريضة حضارية، وليست وظيفة مدنية آلية تجارية كسائر الخدمات المادية، فالمعلم المربي يحمل رسالة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد سئل عن العلم الذي يحمله يوم أن وافق على عق التوظيف، ومن سئل عن علم وكتمه خالف منطق الفريضة الحضارية، وحال بين مورد خير، وبين محتاجيه.

ثلاث فرائض مجتمعية تحكمها ضوابط الدعوة الإسلامية في مجتمع المسلمين (طبعا) وأن لا تتميع في متاهات الوظائف التجارية بغية الثراء الحطامي، لأن هذه الوظائف متعلقة بحماية الكليات الحياتية للإنسانية، وتعثرها والتهاون فيها أو تعطيلها يؤدي إلى خلل خطير في الحياة البشرية. وهذه الفرائض الأساسية في قيام الدولة القوية المتقدمة هي: فريضة القضاء لإقامة العدل، وإحقاق الحق وإبطال الباطل. وفريضة الطب للعناية بحفظ الجانب البدني في كيان الإنسان. وفريضة التربية والتعليم لإعداد الجيل الصالح. وضرورية وأهمية التربية والتعليم في تقدم الأمم لا يجهل قدرها وأولويتها في النهضة الحضارية إلا غبي ساذج، أو ذي فكر مارج.

وهذه الوظائف الثلاث لا تقبل الهوى، والمساومة، والتحيز، والتعطيل، أبدا. إذ لا يعقل أن يأتي خصوم يقفون بين يدي القاضي ويقول لهم انتظروا أسبوعا، أو شهرا، أو عاما، حتى انظر في القضية، قضية ميراث، أو قصاص، أو مشكل عائلي، أو إداري، وغيره.بل يجب أن يقضي بالحق وأن يبين وأن يفصل في المسألة، ولا ينتظر منهم جزاء ولا شكورا، ﴿يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾(سورة ص:26).

وهذا عمر رضي الله عنه يوصي القضاة:[أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة..البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما. ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك..ثم إياك والقلق والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن الحق، التي يوجب الله بها الأجر، ويحسن بها الذخر، فإنه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى، ولو على نفسه، يكفه الله ما بينه وبين الناس]( البيان والتبيين).

فالقاضي مبلغ الحكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجره على الله العلي الحكيم. كما أنه لا يعقل أن يأتي مريض إلى طبيب  ويقول له الطبيب انتظرني مدة، حتى أعالجك، أو إذا كان بك مرض القلب أعالجك، أما إذا كانت يدك مكسورة، فانتظر، أو اذهب إلى طبيب آخر؟ إن الطب علم جليل القدر، وهو من الناحية العملية التطبيقية عمل إنساني محض، قوامه المنة الإيجابية، والحنية الإيمانية، فهو أي الطب حفظ أحوال بدن الإنسان. والعلاج بالدواء من فريضة الطب، وقوام العلاج مهارة التطبيب، وصناعة الدواء من أجل المهن، ومصنع الدواء أعظم أجرا من مصنع السيارات والسلاح، وإن كان كل علم، وكل إعداد مشروع لمقاصد مشروعة فهو مشروع ومفيد.  فحفظ الصحّة بمحاربة الأوبئة، وعلاج مرض المريض، هي حماية لصحة المجتمع، وذلك بحفظ البدن والحواس ينمو العقل الإنساني في ظروفه الفطرية الطبيعية. وبتكامل القضاء الذي يحمي القيم والمبادئ، والطب الذي يحمي البدن والحواس، والتعليم الذي يحمي الإيمان والشريعة والفكر، وبكل هذه الفرائض تنمو وتتطور الحضارة.

هذا وإن مهنة التعليم أجل وأهم، وكما قلت عن القضاء والطب، أقول عن التربية والتعليم: إنه لا يعقل أن يأتي متعلم لمعلم طالبا العلم، فيقول المعلم لا أعلمك اليوم، فانتظر شهرا أو فصلا، وانتظر حتى، حتى ماذا؟ حتى مدة قد تطول وقد تقصر؟ فيقول المتعلم المظلوم: هل بإمكانك يا سيدي أن توقف نمو عقلي وملكاتي، وجسدي وتحبس ذلك عن النمو حتى تتفضل علي بأن تجيبني عن سؤال العلم؟؟ وهل يمكن للقاضي والطبيب والمعلم (إن توقف أحدهم عن دوره الرسالي) أن يوقفوا الزمن كي لا تحدث نتائج الامتناع عن أداء الفريضة الحضارية الإنسانية مآلات السقوط، وآثار الظلم، ومزريات التخلف؟؟ والعبرة لمن يتأخر عن أداء دوره في التبليغ من هذا الحديث: [إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم، وإما أنا آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخْسف بي أو أُعذب]( الترمذي. كتاب الأمثال.2863) فهذا يحي عليه الصلاة والسلام يخشى إن تأخر عن القيام بما أمر أن يخسف به أو يعذب. والرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالتبليغ والتعليم، وقال لمن يعلم علما:[بلغوا عني ولو آية] (البخاري.أحاديث الأنبياء.3461) فما تخلفت بعض الشعوب العربية عن ركب الحضارة القيمية والاقتصادية والتقنية إلا عندما حدث الخلل في هذه الوظائف الثلاث [القضاء، والطب، والتعليم] عندما صارت هذه الوظائف الإنسانية مناصب المكاسب، وتنافس على المراتب، وطغى الفكر الدنيوي المصلحي، على الفكر القيمي الحضاري.

قال محاوري: ولكن قد يكون القاضي والطبيب والمعلم هم أيضا في حاجة إلى عناية ورعاية واهتمام بظروفهم؟ لأن الخلل ليس في هذه القطاعات فقط، وإنما في السياسة والإدارة أكثر؟ فلماذا التركيز على هذه الوظائف، مع أن الصناعة والفلاحة والاقتصاد عموما، عليه ما عليه من المسؤوليات.

أراك لا تزال في بعض مشاكساتك المألوفة، وأنك  لا تقر اعترافا بالحقيقة، مع أنني علمت بأنك تخلصت من عقدة [نعم، ولكن] ومع هذا أقول لك: إن الفلاحة والصناعة، والإدارة والسياسة وكل إعداد مرهون بالتربية والتعليم. والمجتمع الذي ينتشر فيه الاختراع والتطوير، والبناء والتعمير، ويتحقق فيه الأمن والاستقرار، والكرامة والازدهار، هو المجتمع الذي يجد فيه الفرد الطب في كل الحاجات الطبية محققا، ويجد القانون الواضح العادل في كل الميادين مطبقا، والتعليم الصالح الناجح في كل المراحل والتخصصات مضمونا موثقا، ومحكما مدققا. فالمجتمع يزدهر عندما تكون السياسة بنت التربية، وليس العكس، وعندما يكون القضاء يحكم الإدارة وليس العكس، وعندما يصل الأمر بالمتحضرين إلى أن يكون الطبيب هو الذي يسأل عن المريض ويوجهه للعلاج الصالح ويحقق له ذلك، غنيا كان أم فقيرا، وليس العكس أن يبحث المريض عن الطبيب وقد لا يجده، أو يجده ولا يجد ثمن العلاج؟ وكأن العلاج بيع لحم، من وجد اشترى وأكل، ومن لم يجد ينظر بعينيه ويصمت. فالقضاء والطب والتعليم ليس تجارة بيع وشراء، إنما هي مبادئ وقيم ووفاء ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الزوجـــــة الـموظفـــــــــة بين تربيــة الأجيال وهــــدف الـمال

الشيخ محمد مكركب أبران/ الغاية من الزواج وبناء الأسرة، لمن رزقه الله أولادا، هو: تربية …