الرئيسية | اتجاهات | بداية الاشتباكات أم نذر الحرب الأولى “الشام والهلال الخصيب”/ محمد الحسن أكـــيـــلال

بداية الاشتباكات أم نذر الحرب الأولى “الشام والهلال الخصيب”/ محمد الحسن أكـــيـــلال

 

هل هي حتمية التاريخ؟ أم قرار القدر؟ أم العامل المشترك بينهما؟ أم هو الله الذي لا إله إلاّ هو الذي ابتلى المنطقة والأمة بما جرى ويجري فيها أن يتأخر سقوط القسطنطينية إلى ذلك التاريخ على يد محمد الفاتح، ويتزامن مع سقوط غرناطة – أقصى غرب حاضرة العالم الإسلامي – لتعلن الحروب الصليبية الثانية بعد نهاية الموجة الأولى بانتصار “صلاح الدين الأيوبي”، وطردهم من القدس أولا ومن كل الشام ثانيا؟ ويتزامن كل هذا بانسلاخ التاج البريطاني عن الكنيسة الكاثوليكية وينضم إلى الكنيسة البروتستانتية ويؤسس فيها فرع الإنجليكانية المعمدانية بعد اعتماده لإنجيل جديد مؤلف من كل الأناجيل ونصوص التوراة والعهد القديم.

المرحلة، بداية القرن الخامس عشر كانت حبلى بتطورات جديدة في أوروبا ثقافيا واقتصاديا وصناعيا، أسست لدول قومية عديدة بلغات عديدة انفصلت عن اللاتينية لتستقل كل واحدة منها عن الأمة الأم ذات الهوية اللاتينية والمذهب الكاثوليكي الهرم الذي نفَّر الأتباع والمريدين جراء ممارساته الكهنوتية الفضة المتجبرة وهزيمته في الحروب الصليبية الأولى.

هذه الدول القومية التي تفطنت إلى أهمية عالم الجغرافيا في بناء القوة سارعت منذ البداية إلى ركوب البحر، والبحث عن أراض جديدة تتوسع فيها وتبني فيها مستعمرات تضخ منها الثروات الطبيعية والمواد الأولية لدولها، فكان اكتشاف أمريكا وأستراليا وغزو مناطق من إفريقيا وآسيا، وهذا ما أجج التنافس الذي وصل في أحيان كثيرة إلى إشعال الحروب بينها.

ولأن الدولة العثمانية بحكم الجغرافيا تقع على حدود الإمبراطورية الأم المنهزمة (الإمبراطورية البيزنطية)، والشعور الجامع بضرورة الانتقام والتخلص منها ومن دينها الذي كان عامل انتصاراتها في كثير من أقطار أوروبا الشرقية وشمال إفريقيا، فقد فرضت الحاجة عليها البحث عن أحسن السبل الأكثر فعالية في التخلص منها، وجعل أراضيها تحت سيطرتها من جديد؛ وهو ما حدث بأن عملت الجارتان فرنسا وبريطانيا إلى وضع الإستراتيجية المشتركة التي بدأت بالدبلوماسية المشفوعة بالاستخبارات والجوسسة والحروب الإستنزافية القصيرة في مواقع ومراحل متفاوتة للوصول في الأخير إلى تحقيق هدفها في بداية القرن العشرين.

الدولتان تعيان جدّا الأهمية الجيوستراتيجية والجيوسياسية لمنطقة الهلال الخصيب وبلاد الشام بالنسبة للدولة العثمانية ولكل العالم الإسلامي الذي تآكلت قواه جراء الحروب الكثيرة مع المغول والتتار، ثم مع الإسبان والبرتغال والفرنسيين؛ والحروب الداخلية البينية بين الصفويين والعثمانيين، ولملاحظة جواسيسها ما بدأ يبرز على السطح من نعرات شعوبية وطائفية، تحركت أول فلول هؤلاء الجواسيس للنفخ فيها كتمهيد لنسف أركان الدولة الإسلامية والقضاء المبرم على كل أسباب نهضتها من جديد.

بمضي قرن من الزمان على البناء السياسي والإيديولوجي والثقافي الذي أسست له اتفاقية “سايكس بيكو” بدأت تلاحظ الدول الاستعمارية الغربية بروز حالات نهوض حقيقي في المنطقة رغم كل ما تعرضت له من حروب استنزافية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ما جعلها تفكر جديا بضرورة إعادتها إلى حيث كانت أو أكثر من التخلف في جميع مناحي الحياة. حماية وتأمينا للدولة الصهيونية التي أنشأتها كقاعدة عسكرية وجبهة أمامية لمراقبة كل المنطقة من شمال إفريقيا غربا إلى تخوم الهند شرقا؛ ومع المفاجأة التي أحدثتها الدولتان المسلمتان إيران وتركيا في المنطقة أضحى من الضروري الملح عليها التفكير من جديد في وضع استراتيجية جديدة تعيد إليها زمام الأمور قبل ضياعها نهائيا من بين أيديها؛ لكن طارئا جديدا يتمثل في عودة روسيا بقوة إلى المبارزة دفاعا عن مجالها الحيوي، ووجودها الاستراتيجي في المياه الدافئة، والمضائق المائية المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر.

بروز روسيا ومن وراءها الصين الشعبية إلى جانب محور دول الممانعة رغم وضعها المأساوي الذي أقحمت فيه مكرهة من قبل أمريكا وحلفاءها الغربيين باعتبارها الحاضنة الوفية للمقاومة وللقضية الفلسطينية أسقط الكثير من أوراق اللعبة من اليد الأمريكية الصهيونية، وجعلها ترتبك في البحث عن أوراق جديدة، فـ “داعش” التي أنشأتها هي بعد القاعدة كشفت كل أوراقها وظهرت المؤامرة الأمريكية فيها، والقاعدة التي غيرت اسمها إلى جبهة النصرة، ثم جبهة تحرير الشام أصبحت أيضا مكشوفة للجميع وخاصة بعد معرفة كل العالم مصدر تسليحها الأمريكي والخليجي، اضطرت أمريكا للإمساك بالمنظمات المسلحة الكردية التي طالما كانت تبحث عن قوى تدعمها للحصول على استقلال إقليمها الممتد ما بين الشمال الشرقي لإيران وجنوب تركيا، لقد كانت حالة الارتباك والتخبط التي وقعت فيها الإدارة الأمريكية وعلى رأسها الرئيس “ترامب” قد جعلتها تنسى حليفتها وشريكتها في الحلف الأطلسي “تركيا” التي كانت وما تزال تحارب الجناح المسلح لحزب العمال الكردستاني الذي تعتبره مثلها مثل أمريكا منظمة إرهابية، والأغرب من كل هذا أن الخطأ الأول بدأ بتسليح أكراد العراق ولما طالبوا باستقلال الإقليم وجدت نفسها أمريكا وحلفاؤها الغربيون أنهم ارتكبوا حماقة يصعب تصحيحها، وما لبثت أمريكا أن أعادت الكرة مع أكراد سوريا لتجد نفسها تدفع بالدولة التركية المسلمة للاقتراب أكثر من محور روسيا وإيران والمقاومة.

الأحداث في سوريا وضعت أمريكا ومن وراءها دولة الكيان الصهيوني في اشتباك بدايته إلى حد الآن سياسية ودبلوماسية، ولكنها على مرور الأيام تتطور إلى اشتباكات عسكرية لأن الوكلاء الذين كانوا يحاربون الجيش السوري وقوى المقاومة بدأوا فعلا يقتربون من الهزيمة، النهاية الواقعية والمنطقية لمسلحين مرتزقة يحاربون بسلاح وأموال البلدان الرجعية العربية حليفة الإمبريالية الأمريكية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة.

إن هذا الاشتباك المتطور والذي لا شك آت مع الاصطفاف المتزايد باطراد في سياق طبيعي تفرضه مقومات الثقافة والحضارة والدين المشترك الذي لم ينجحوا رغم كل ما بذلوه من جهود لدفع أتباعه لإشعال الحرب بين السنة والشيعة، سوء حظهم جعلهم يجعلون من المقاومة الفلسطينية التي هي من السنة حيلفا موضوعيا، وطبيعيا لحزب اللـه اللبناني الذي هو من الشيعة ومن وراء كل هذه المقاومة جمهورية إيران الإسلامية التي لا تنفك إسرائيل تحاول حشد الحشود لمحاربتها  وتدميرها أسوة بالعراق وسوريا.

هذا الاشتباك إن تواصل سيكون بلا شك نذر حرب قد تبدأ إقليمية وتنتهي عالمية، نسأل الله اللطف منها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

دَعُوكـــــم مــن الــــورع الكـــــاذب

عبد العزيز كحيل/ ما هذا؟ قوم من «المسلمين» يظهرون التأثر الشديد عند موت فاجر أو …