الرئيسية | قضايا و آراء | دوماس وفابار على خطى أرنست كاريت : تكريس فكرة انقسام سكان الجزائر/ سيفاوي عبد اللطيف

دوماس وفابار على خطى أرنست كاريت : تكريس فكرة انقسام سكان الجزائر/ سيفاوي عبد اللطيف

بالنسبة لدوماس فإنّ كتابه “القبائل الكبرى:دراسات تاريخية” الذي نشره سنة    1847برفقة فابار و بإذن من الحاكم العام ديزلي يعد من الكتب الأولى التي عُنيت بالقبائل الكبرى .

ويذكر الكاتبان أنّ أسباب الاهتمام الخاص بتلك المنطقة تتمثل في رقعتها الواسعة، وكثرة سكانها، وقربها من العاصمة ، والسمعة التي تتمتع بها من حيث استقلالها وعدم إمكانية إخضاعها، ثم بسبب الجدل الحاصل فيما يخص السياسة التي يجب انتهاجها إزاءها.

وهما يعتبران أنّ اللغة هي العنصر الأساسي المميز بين الأجناس، وأنّ هذه الوحدة اللغوية موجودة بين القبائل وهي أكبر دليل على وحدة أصولهم وأنّ في المقابل قبائل أخرى تتكلم حصريا بالعربية فبالتالي فأصولها من الجزيرة العربية .

ويرى أنّ تلك القبائل كانت أمة واحدة موحدة وتفرق أمرها على إثر إبعادهم من السهول إلى الجبال من طرف مختلف الغزاة، وتمّ بذلك تمزيق تلك الوحدة وأصبحت بالتالي تلك القبائل غريبة بعضها للبعض، فترتب عن ذلك تعدد اللهجات البربرية كالزناتية في الغرب والشلحية بالمغرب ، الشاوية والزواوية.

ومما يجدر الإشارة إليه هو عند حديثهما عن الشاوية فيقولان أنّهم يمثلون القبائل الذين اختلطوا بالعرب وأنّهم يقاسمونهم نفس نمط العيش أي البداوة، وأنّ لهجتهم دخلتها كثير من الكلمات العربية، أمّا الزواوية فيعتبران أنّها تمثل اللغة الوطنية القديمة في صفائها .

ويقولان أنّ الحروف البربرية ضاعت، ويسردان بعض التفاصيل التي لم تظهر أهميتها في تلك المرحلة وهي أنّ كل قبائلي يتعلم العربية لكي يحفظ أو يقرأ القرآن على الأقل وأنّ كتابة اللغة البربرية كانت بالحرف العربي فقط.

ويعتبران أنّ المنطقة دخلها الإسلام في نفس العهد الذي دخلت فيه بجاية إلى الإسلام سنة 708 وبنفس الطريقة أي وضعت أمام خيارين لا ثالث لهما إما القتل الوحشي أو الدخول في الإسلام[1].

ثم يسردان مجموعة من النقاط التي تعد من ثوابت الطرح الفرنسي في مقارنة وتمييز العنصر العربي عن العنصر القبائلي البربري فتراهما يشددان على أنّه لا شيء يجمع بين العرقين، سواء لون الشعر أو العينين، ويعتبران أنّ العربي كسول لا يحب العمل، وأنّ القبائلي يعمل كثيرا، العربي يهتم بالحرث أمّا القبائلي فيهتم بالأشجار المثمرة، العربي ليس لديه صناعة، القبائلي عكسه تماما، العربي كذاب القبائلي يرى في الكذب عارا، المرأة القبائلية تتمتع بحرية أكبر مقارنة بالمرأة العربية، وأنّ القبائل هم الوحيدون في العالم الإسلامي من لهم قانونهم الخاص غير مستمد من القرآن ولا من التفاسير المقدسة ولا يصلون ولا يصومون وإن كان لهم احترام كبير لمرابطيهم[2] ويخلصان إلى أنّه في حقيقة الأمر أنّهم لا يتفقون إلا في شيء واحد: العربي يكره القبائلي والقبائلي يكره العربي[3]، ويضيفان أنّه إذا تركنا مجال المقارنة ودققنا في أسرار المجتمع القبائلي، لوجدنا زيادة عن الأصل الجرماني لفئة منهم، فإنهم كانوا يدينون بالمسيحية جميعا، وبالسيف قبلوا الإسلام ولكنهم لم يتبنوه فلقد لبسوا العقيدة كما يلبس البرنوس ولكن في الداخل بقوا على ما كانوا عليه في السابق[4] .

ويخلص أنّه علينا احترام مصالحهم المادية التي تسيطر على كل سياستهم، فعندئذ فلن يعادوننا بل سيدخلون في خدمتنا[5].

ودوماس وفي كتاب حول القبائل ألفه في فترة كانت التحضيرات في أوجها لاقتحام المنطقة وإخضاع أهلها سنة 1857، وهذا ما تمّ ،نجده وبنفس المنطق الذي كتب به مع فابار الكتاب السالف الذكر سنة 1847،  يستمر في عملية التمييز بين القبائل والعرب ، ويضيف أنّ القبائل منتشرون في الجبال والعرب مستولون على السهول، وأنّ هذا النوع من التوزيع ترتب عنه انعكاسات كبيرة على الطرفين والتي هي تكرار وتأكيد لما كتبه من قبل.

وهو يذكر أنّ المنطقة قيل عنها أنّها سويسرا الجزائر ويناقش تلك المقولة ويخلص أنّ الحكومة القبائلية على حد تعبيره هي حكومة جمهورية بامتياز، وأنّها تأتي عن طريق الانتخاب وعن طريق الاقتراع العام [6].

كما يركز أنّه ليس للقبائل قانونا مكتوبا وإنّما لديهم أعرافهم القديمة التي يحتكمون إليها، وهي تختلف عن الأحكام القرآنية[7].

كما يركز على أهمية دور المرابطين الذين يتمتعون باحترام كبير من طرف السكان ومن خلال سلطتهم المعنوية يتم المحافظة على النظام العام،  ولوجاهة رأي المرابطين وفطنتهم  ولكي لا يلصق بهم تهمة الحكم الفردي فإنّهم يتسترون وراء مؤسسات دينية وهي الزوايا، وهي في حسب دوماس أيضا مؤسسة سياسية وأساس ومصدر السلطة بالمنطقة[8] .

كما يركز على دور الزوايا في مجال التعليم، وخاصة التعليم ما بعد الابتدائي الذي يمارس  بالمدارس الصغيرة على مستوى كل قبيلة، فيحفظ فيها القرآن ويتعلم فيها اللغة العربية في حين أنّ اللغة البربرية لا تدرس، وتعطى دروس في التوحيد والفقه المالكي والحديث النبوي والتفسير والحساب الهندسة وعلم الفلك والعروض، ويقدر أن عدد الزوايا بالمنطقة معتبر، وعدد المشتغلين فيها كبير [9].

ويعتبر أنّ القبائل إن كانوا مسلمين كالعرب وينطقون الشهادة فإن إلههم الحقيقي هو المرابط ويختم أنّه لا عجب في استطاعتهم على حملهم إلى الانتفاضة ضد كل  غزو خارجي[10] ، ويبدو واضحا أنّ تركيزه على المرابطين لم يكن من باب الفضول العلمي و إنّما قصده التنبيه على خطورتهم و ضرورة كسر نفوذهم .

وهكذا جاء دوماس ليؤكد ما قال به من قبل إرنست كاريت، مع تركيز واضح على المرابطين وخطورتهم، وهذا ما تنبهت له جيدا الإدارة الاستعمارية، وسارعت لوضع الخطط والسياسات لمحاربة هذا الخطر الداهم .

 

[1] “القبائل الكبرى: دراسات تاريخية” دوماس وفابار ص 13.

[2] “القبائل الكبرى: دراسات تاريخية” دوماس وفابار من ص 20 إلى ص 55.

[3] “القبائل الكبرى:دراسات تاريخية” دوماس وفابار ص .75

[4] نفس المرجع ص 77.

[5]نفس المرجع ص  416 .

[6] بلاد القبائل ،دوماس  ص 14.

[7] نفس المصدر ص . 19

[8] نفس المصدر ص  21.

[9] نفس المصدر ص24

[10] نفس المصدر ص  28.

عن المحرر

شاهد أيضاً

المعاملة هي روح التدين الحـــــق..

مداني حديبي/ ألا تتعجب معي لحال ذاك المتدين الذي يلزم الصف الأول ولا تفوته تكبيرة …