الرئيسية | اتجاهات | ماذا تريد أمريكا؟/ محمد الحسن أكـــيـــلال

ماذا تريد أمريكا؟/ محمد الحسن أكـــيـــلال

 

يخطئ من يظن أن الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكية “دونالد ترمب” قد جاء بشيء جديد بإعلانه مدينة القدس عاصمة أبدية للدولة الصهيونية أو أية تفاصيل أخرى عما سماه بـ”صفقة القرن”، فكل هذا مدرج سلفا في السياسية الخارجية الأمريكية ضمن استراتجيتها للسيطرة على العالم وانفرادها بالحكم والتحكم في كل الحيثيات والآليات التي تسير بها هذا العالم.

ويخطئ أيضا من يظن أن الدولتين الغربيتين (فرنسا وبريطانيا) اللتين كانتا في القرن الماضي – على الأقل في نصفه الأول – هما اللتان وضعتا الأسس الأولى لهذه الإستراتيجية، وبالتالي يجب على هؤلاء الضانين أن يدركوا بأن الدول الثلاثة وكل الدول الأخرى التي تشترك معها في حلف شمال الأطلسي كلها تشكل كلاّ متكاملا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.

الأكيد أن الولايات المتحدة الأمريكية أدخلت على هذه الإستراتيجية تعديلات، بل تجديدات لسد الثغرات التي تشكلت عبر الزمن خلال اشتداد الصراع بين الشرق والغرب والحرب الباردة وبروز حركات التحرر العديدة التي استطاعت تحقيق انتصارات باهرة ضد هذه الدول الإمبريالية الصليبية الصهيونية أصلا، ومن هذه التعديلات والتجديدات ما هو ظاهر وما هو مضمر.

الظاهر ما قامت به هذه الدول باستعمال قوة الجيوش والسلاح للتدخل المباشر كما حدث في أفغانستان والعراق والصومال وسوريا وليبيا.

والمضمر ما قامت به بواسطة المخابرات والسلك الدبلوماسي والمؤسسات المالية الدولية ومنظمة التجارة العالمية ومنظمات حقوق الإنسان للوصول إلى حيث يقف الآن السيد “ترمب” الذي اختير من طرف الدولة العميقة في بلاده

-المحافظون الجدد- مع سبق الإصرار والترصد، ولهذا لا داعي للغط والصخب الذي يثار هنا وهناك عن سلوكه وصحة عقله أو جنونه أو رعونته، فكل هذا كان يعرفه الذين رشحوه لأن الولايات المتحدة الأمريكية دولة مؤسسات لا يرشح فيها شخص لتولي مهام ومسؤوليات دون دراسة دقيقة لكل جوانب شخصيته وحياته الشخصية والعائلية والاجتماعية.

 

إن الذين يحاولون امتلاك ناصية الذكاء السياسي في الوطن العربي خاصة والعالم الإسلامي عامة، حتى ولو أظهروا بعضا منه في الأحاديث والنقاشات في الإعلام والندوات والملتقيات، فهم على ما يبدو أنهم نسوا أو تناسوا أن جهودهم الفكرية حتى ولو أظهروا فيها بعض الألمعية تبقى دائما جهودا فردية وشخصية؛ في حين أن المواضيع التي يناقشونها كانت محل بحوث ودراسات في معاهد ومراكز للدراسات الاستراتيجية المتخصصة؛ لهذا حدث ما حدث في العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية ووصلت القضية المحورية فيه – القضية الفلسطينية – إلى ما وصلت إليه، وهي مرشحة لأخطار أكبر.

لقد قالت رئيسة الحكومة الصهيونية الأسبق “غولدا مايير”: “إن العرب لا يدرسون التاريخ وإذا درسوه فسرعان ما ينسون ما درسوا فيه”. إن كثيرا من الأحداث التاريخية الماضية ترى الآن ماثلة أمام الجميع ولو بأشكال وألوان أخرى أكثر نصاعة وجدة؛ فالعمالة العربية للإمبريالية والاستعمار لما تفاجأ البعض منا، فليس لكونها جديدة، بل لكون هؤلاء المتفاجئون قد نسوها ولم يولوا لها الاهتمام الكافي وهي تظهر حينا وتختفي أحيانا أخرى حسب الظروف، وما وقاحتها الحالية وهي تمارس الخيانة في وضح النهار إلاّ لأنها أصبحت تخشى الله لومة لائم ولا يوجد في الوطن الكبير من تخجل أو تستحي منه بعد التصفية الجسدية التي طالت كثيرا من القادة والرموز الذين اختاروا الشهادة بدل الانبطاح والشرف بدل الضعة والذلة والمسكنة.

إن أمريكا وهي تكشف كل أوراقها في هذه الأيام في سوريا حين شعرت أن الأوان آن لكشفها حفاظا على آخر الأوراق التي في يدها بعد أن أفتكت روسيا الاتحادية الكثير منها وهي تقود الوضع في هذه البلاد إلى الانفراج الحقيقي في مؤتمر “سوتشي”. لقد أصبح لزاما عليها كعادتها حين تشعر بالخطر المحدق أن تلجأ إلى خلق وضع جديد وعدو جديد  تصنعه بسرعة لكي تفرض وجودها وبقاءها في المنطقة، إنها تريد أن تفرض معطيات جديدة على الأرض من شأنها أن تمنح لها أوراقا أخرى تبتز بها الجميع، الشعب السوري والنظام السوري والمحور السوري الإيراني الروسي، لا لشيء إلاّ ليقبل الجميع بقواعد عسكرية لها في هذا القطر المنكوب مثلما فعلت في العراق.

هاجس أمريكا هو تأمين دولة إسرائيل من الجهات الأربعة ومن الأعلى ومن الأسفل.

أمريكا وهي تعلن على لسان رئيسها ونائبه ما أعلناه حول فلسطين مضطرة لذلك، إذ لا يكفي منح فلسطين كاملة لليهود والاعتراف بالدولة اليهودية ما لم تؤمن لها ذلك من خلال التدمير الشامل لكل الدولة المحيطة بها أو إخضاعها لمشيئتها، والخرجة الجديدة التي يجب الوقوف عندها مليا من طرف كل النخب العربية والإسلامية هي مشروع الدستور الجديد لسوريا الذي تبنته دول عربية مثل مصر والسعودية والأردن هذه الدول الظاهرة وخلفها لا شك دول أخرى مثل المغرب التي كلف عاهلها برئاسة لجنة القدس والإمارات العربية المتحدة التي لم تخف علاقاتها وصداقتها مع الدولة الصهيونية.

السلطة الفلسطينية المرغمة على إمساك العصا من وسطها عليها أن تختار: إما التصعيد وهو السبيل الوحيد الذي يمكن لها أن تحافظ به على الشعرة الباقية لها مع شعبها ومع  الشعوب العربية وشعوب العالم التي وقفت أنظمتها ودولها معها في التصويت معها في الأمم المتحدة وإما الركون إلى هذه الدول التي لا يرجى خير منها خوفا من ضياع المرتبات الشهرية أو إغلاق جسر الحسين بين الأردن وفلسطين الذي يدخلون ويخرجون منه إلى العالم الخارجي.

في كل الأحوال الوقت ضيق جدّا للاختيار، والشرف النضالي في الأخير هو الذي سينتصر، والعالم مع ما يعرفه من تطور هائل في وسائل الإعلام لا شك سينحاز للحق الذي هو حق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه الشرعية، وما ضاع حق وراءه طالب.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

رفـــــع الـمـــــــلام عن الإسلاميــــــين

عبد العزيز كحيل/ الاسلاميون هم انصار المشروع الإسلامي، دعاة، مصلحون، سياسيون، علماء، شرائح اجتماعية متعددة …