الرئيسية | أقلام القراء | لا شك بأن رؤساء أمريكا كلهم دُمى قراقوز؟/ جمال نصرالله

لا شك بأن رؤساء أمريكا كلهم دُمى قراقوز؟/ جمال نصرالله

ما تلكأ به الرئيس الأمريكي الحالي والذي غالبا ما يُوصف بغير السوي ومرات بالمجنون نظير تصرفاته وخرجاته غير الانضباطية والدبلوماسية، فهو يمثل حقا نموذجا حيا لرعاة البقر الذين لا يخشون الحواجز ولا منعرجات الطمي وعقبات الجبال، ودائما هم النجوم والقادة والسوبرمان.تشوبهم قدرة هائلة من الثقة بالنفس واستصغار الآخر مهما كان حجمه ووزنه. وهذه الصفة الأخيرة لا تُعتبر شتيمة ولا وصمة عار بل فخر لسادة هوليود والعالم الجديد…!

ما صرح به ترامب حول القدس عن أنها ستصبح عاصمة لإسرائيل في نظر المحللين لا تعتبر حدثا جديدا لأنها لطالما كانت همّ بروتوكولات بني صهيون، وظلت منذ عقود قائمة على هذا المبدأ -أي منذ هرتزل ومن بعده بن غورين وصولا إلى بيغن وأخيرا نتانياهو…! لكنها عند عموم الطبقات القاعدية أضحت بين عشية وضحاها حدثا قياسيا، وعود ثقاب ألهب النفوس والأفئدة. بحكم أن فلسطين كقضية إنسانية وانتماء عربي انغرست في المخيال الجمعي العربي والإسلامي مثل العروق في الجسم، وصار المساس بفلسطين كالمساس بالقيم الدينية حتى لا نقول بالقرآن نفسه…!

غولدا مائير (سنة 1969م) عندما أُحرِقت القدس من طرف سائح أسترالي متعصب يُدعى (مايكل دينس روهن) قالت أنا لم أنم ليلتها فقد كنت أنتظر بأن العرب سوف يهاجموننا من كل الحدود. لكن حينما استيقظت وجدت العرب نائمون…! وهذا يؤكد بأن التاريخ يعيد نفسه حول هذا الموضوع الخاص بالقضية الفلسطينية فكثير من الحكام العرب وحتى الأئمة والدعاة يعتبرون أن القدس ليست عربية، ودليلهم في ذلك أن القرآن نفسه تطرق لذات القضية خاصة في سورة المائدة حيث جاء في قوله تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ}[المائدة:21].

وكان المقصود هم بنو إسرائيل، وفي زعمهم أن المولى عز وجل بارك لهم الأرض التي تمتد من الفرات إلى النيل، كما بقينا نسمع من أفواه هؤلاء القادة، بغية فسح المجال وفتح صفحة للسلام والتعايش مع بني إسرائيل …! ولكن الإشكالية الأخرى التي لم يهضمها معظم الباحثين أنهم لم يفرقوا -حتى لا نقول لم يفصلوا- بين الإسرائيليين وبين اليهود، ويضعونهم دائما في سلة واحدة، وهذا عين الخطأ، لأن الشواهد التاريخية تُثبت ذلك؛ حيث ينتسب بنو إسرائيل إلى إسحاق عليه السلام بينما اليهود إلى يهوذا. وهذا النوع من الفصل مهم جدا تاريخيا ووجب أخذه بعين الاعتبار على أساس أنه يفرز المسائل جيدا. ويمحو الكثير من المغالطات التي راح ضحيتها، حتى هؤلاء المسؤولين الكبار، وكذلك كثير من المثقفين والإعلاميين؟ لأنه لو رجعنا قليلا إلى الوراء لوجدنا فيما بعد أن  القرآن الكريم نفسه يذكر لنا بأن القدس التي بنيت فوقها قبة الصخرة هي ذات المكان الذي عُرج منها بالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك كسبت قدسيتها عند المسلمين كأولى القبلتين، وهنا للمسلمين الحق في أن تصبح إحدى المحطات الهامة من تاريخهم. وليس فقط أن تضحى أماني للهيكل المزعوم كما يوصف سياسيا. وهو هيكل سليمان الذي بناه بعد أن هدمه الملك الروماني الطاغية، لذلك فقد سقط الكثير في مطبات التحريف التي طالت التأريخ الذي تلاعب فيه القساوسة والكهنة؛ كيف لا وهم أنفسهم من قاموا بتحريف الكتب السماوية (التوراة والإنجيل)؟ فكيف ينأون عن مثل هذه الأحداث والمحطات الهامة التي تصب في صالحهم وفرض وجودهم كسادة وأصحاب حقوق؟

من هنا نقول بأن ترامب أو غيره من الرؤساء السابقين بقوا ضحايا عدة مغالطات كانوا قد سمعوها أو قرأوها إلى درجة الاقتناع، فراحوا عازمين على تطبيقها كإحدى البنود في سياساتها على المدين البعيد والقصير. وأكيد أن التظاهرات التي شهدتها معظم المدن العربية والإسلامية مؤخرا -أي بعد تصريحات ترامب- لن تغيّر من قناعات أي رئيس أمريكي مهما كان وزنه وحجمه (حاضرا أو ماضيا)؛ لا لشيء سوى أن أمريكا الحقيقية هي ليس تلك التي يُروج لها في الإعلام، هناك أمريكا أخرى تقبع كالسيدة العجوز وتمكث في جحور الكونغرس المسمى مجلس الشيوخ، والذي غالبا ما تتحكم فيه مقاليده قرارات هي من لبنة العقل الصهيوني الذي يتشبث دوما بأحقية أن اليهود هم من يقودون العالم، ويتحكمون في حركته كل يوم وكل ساعة.وقد ظل مفهوم السيادة عندهم مرتبط بالقوة في شتى مجالات الحياة، حتى في الألعاب الموجهة للأطفال…! لأن جميع مخططاتهم تقوم على المدى البعيد، والاستشراف المستقبلي، والدليل أنهم أسسوا معاهدا لذلك، ويراد بها دوما تخذير الكل، والإبقاء عليهم تحت السحر والطاعة والاستحواذ.

 djamilnacer@gmail.com

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …