الرئيسية | في رحاب الشريعة | وحدة المناهج التربوية ضمان الأمن والوحدة الوطنية/ محمد مكركب

وحدة المناهج التربوية ضمان الأمن والوحدة الوطنية/ محمد مكركب

 

في بعض البلدان العربية الإسلامية انتشر التعليم الخاص في مدارس خاصة، وهذا مفيد وجميل، لأن الخوصصة مع القدرة والحكمة والمبادرات الطيبة مما يدفع بعجلة النمو والنهوض بقوة، إذا كان التنسيق والتكامل تاما بين القطاع العمومي والخاص وكان محكوما ومنضبطا بضوابط الثوابت الدينية والمقاصدية للوحدة الوطنية، بناء على وجهة موحدة لتحقيق مآلات مستقبلية تحقق بناء جيل موحد الأفكار، متفق الرؤى، ضامنا لوحدة السيادة الوطنية الملزمة، والشخصية الوطنية الإسلامية.

لا يختلف اثنان من رجال العلم والحكمة في أي زمان من أن التربية والتعليم هي القواعد الأساسية الضامنة لبناء أسرة محافظة آمنة، وإقامة مجتمع مستقر ومتماسك الروابط في تكافل شامل، وتناصر كامل، ومن ثم إقامة الدولة المتينة الكيان، القوية البنيان، المهيمنة بسلطان العدل والإحسان، وهذا الأمر لا يحتاج إلى دليل أو برهان، لأنه واضح للعيان.

وقوام التربية والتعليم أربعة أصول ثابتة:

1 ـ برمجة المادة العلمية أو المعرفية التي تدرس للمتعلم (مضامين الدروس). كالعلوم، والفقه، والتاريخ، والجغرافيا، والقانون، وغيرها. 2 ـ لغة التعليم التي تعمل بها كل المرافق التعليمية في التدريس بها وجوبا شرعا، وحضارة، وتربية.

3 ـ المنهجية البيداغوجية التربوية. وتدريب المدرسين على منهجية واحدة موحدة في الصورة الإجمالية.

4 ـ وحدة الكتب والمراجع التي يعتمدها الأساتذة المدرسون، والطلبة المتمدرسون.

إننا نشير إلى هذه المسائل الجوهرية الدقيقة في بناء المنظومة التربوية لأنها أساس بناء المنظومة الوطنية على أسس قوية متينة، وثابتة أمينة. والميزان في ذلك ثوابت الأمة، والدستور الذي وضع للمحافظة على أمن واستقرار الوحدة الوطنية.

وثبت يقينا أن كل المجتمعات المتقدمة، والحضارات التي كانت لها الكلمة في صناعة المدنية المتطورة، بدءا من مجتمع الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وإلى كثير من المجتمعات التي اعتنت ببناء الأجيال الصالحة أن القواعد التي رفعتها وبنت عليها كل بناء لهي التربية والتعليم.

إنما الموعظة هنا أن يحافظ المجتمع على وحدة المناهج التربوية، بوحدة أصولها الأربعة المذكورة [توحيد المادة العلمية، توحيد لغة التعاليم، توحيد المنهجية، توحيد المراجع] ليتم حفظ الوحدة الوطنية بحفظ وحدة العلم، والفكر، والمقاصد، ودوام سيادة الدولة في عزة ومنعة ومتانة في صفاء وأمن وهناء. وإذا كنا من الذين يحسنون تدبر القرآن في موضوع التلقي والاتباع، وبناء الذهنيات وتشكيل العقول بالتجارب والنقول، فإن  في القرآن الذي أمرنا الله تعالى أن نعتصم به ولا نتفرق، فيه ما يدعونا إلى وحدة المناهج التربوية بالمصطلحات الحديثة والمعاصرة. قال الله تعالى:﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى:﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وقلت: إن وحدة المناهج التربوية بوحدة أصولها الأربعة الضرورية، فلا يكفي توحيد المواد العلمية بغير توحيد لغة التدريس، ولا يكفي توحيد الطريقة البيداغوجية بغير توحيد المراجع للأساتذة والطلبة، والعكس.

إن الثابت الأول من الأصل الأول في وحدة مناهج التربية والتعليم هو تدريس القرآن الكريم في كل المؤسسات التعليمية على مستوى الوطن، وإذا لم يعمل المشرفون على التربية والتعليم بهذا الثابت فإنهم يكونون مسؤولين على كل خلل، أو هزة، أو فتنة، تصيب المجتمع مستقبلا، لأن ربنا تبارك وتعالى قال لنا بصريح الخطاب، وتفصيل الكتاب﴿ إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ ولا يعقل عند العقلاء أن نقصد الهداية بشمولياتها في الدين والأخلاق، والسياسة والاقتصاد، والدفاع والاجتماع، بدون أن نتدبر وندرس ونعمل بكل ما أمرنا أن نعمل به من القرآن. فلا يعقل أن يتخرج طلبة من الجامعات في كل الفروع والعلوم والتخصصات بغير دراسة وفقه الآيات المحكمات، وهذا أمر في غاية الأهمية والاعتبار.

وأقول هذا من باب[اللهم فاشهد فإننا قد بلَّغنا] حتى لا تقولَ أجيال في المستقبل أين كانوا من هذا، وهذا؟ فنحن في الجزائر شعب مسلم، في دولة مسلمة، والإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا، والشعب الجزائري جزء لا ينفصل عن الأمة الإسلامية، في التاريخ والدين والثقافة والوطن والمقاصد، ومن خرج عن القرآن ابتعد عن الإيمان، ومن ابتعد عن الإيمان فلن يكون له سلطان من الرحمن، ولن يستقيم له بنيان. قال الله الحكيم الخبير:﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، وقال الله العزيز الحكيم:﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ والعمى الفكري والسياسي من العمى التربوي، والعمى التربوي من سوء المناهج. وأخطر خلل في المجتمع بسبب خروج المناهج التربوية عن التزام وحدة أصولها على مستوى المجتمع كله، فإن الاختلاف في المناهج التربوية ينتج اختلافا في العقول، بالضبط مثل ما هو الاختلاف في لغة التدريس ينتج اختلافا في الفكر ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وفي الحديث الشريف: [دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم (بكثرة) سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا  أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم].

إن من أهم الضمانات لحفظ استقرار وثبات الوحدة الوطنية، وتربية وإعداد جيل الحاضر والمستقبل، الجيل المتضامن المتكاتف، والمتعاون المتآلف، وذلك بتوحيد مشارب العلم الذي يتلقاه، ولغة الخطاب الذي يطرق سمعه ويوجه رغبته ومبتغاه، وصبغة المبدأ الذي يؤمن به ويتبناه، وهو دين الإسلام الذي شرعه الله وأكمله وأعلاه، وإليه دعا الحبيب المصطفى فاستجبنا له وأحببناه، واتبعناه. قال الخالق البارئ المصور:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾. قال القرطبي:” وقال مجاهد والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية”.

إن العالم عامة والعالم الإسلامي خاصة، والعالم العربي بالخصوص، يشكو في أماكن كثيرة، فتنا مثيرة، وحِرَابات خطيرة، وفوضى وفساد، إن نجت منه هذه أو تلك البلاد، فليس في ذلك ما يطمئن النفس أو يقنع الفؤاد. والخطر إذا مس الأطراف هدَّد وأَخَاف، وزعزع الوحدة ونشر الخلاف، وإذا قلت: أين العلاج؟ قلت لك: في صلاح المنهاج. قال الله تعالى:﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾.

ومن معاني(الهيمنة) الحفظ والارتقاب أي: الرقابة والشهادة، كقول الله عز وجل في الخبر عن قول عيسى عليه الصلاة والسلام:﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فالقرآن مهيمن، أي أن القرآن: أمينٌ  وشاهدٌ على الكتب التي خلت قبله، ومؤتمن ومصدق، فالمهيمن الأمين: ومن ثم فالقرآن أمين على كلِّ كتاب قبله. قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري:”وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهلِ الملل بكتابه الذي أنزله إليه، وهو القرآن الذي خصّه بشريعته”.

لماذا ذكرتُ هذا؟ لأقول مبلغا بأننا لو عملنا بالقرآن لكانت لنا الهيمنة والسيادة والعزة من الله تعالى، الذي من أسمائه الحسنى: المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، سبحانه لا إله إلا هو يُعِزُّ من يشاء ويذل من يشاء. ولأقول: وذلك فرض علينا أن نجعل القرآن أصلَ الأصول لتأصيل مناهجنا التربوية التعليمية، ومناهجنا السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وبذلك تتوحد أفكارنا، ونتوحد في أمة وصفها ربنا تبارك وتعالى بقوله سبحانه:﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فقد بين الله تعالى في هذه الآية أن شروط الخيرية والتفوق والعزة، بالإيمان بالله تعالى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وكل هذا يتم بالتربية والتعليم. والهدف من الدعوة إلى توحيد مناهج التعليم، لضمان وحدة الأمة، هو: توحيد طريقة كيف نؤمن بالله تعالى؟ وما هو المعروف الذي نأمر به؟ وما هو المنكر الذي ننهى عن؟ ألم يوجد على أرض الواقع وعلى مر التاريخ الطويل أن قتالا وقع ويقع بين جماعات كلها تدعي أنها على الحق، والحق واحد؟ لأن الخلل في مناهج التفقيه، أي في المنظومة التربوية، عندما تختلف المضامين واللغة والمنهجية والكتب، عندها تجد كل واحد  يفهم الدين حسب فهمه وكلهم يقرأ القرآن ويفسره حسب رأيه، والجار يحرق دار جاره وهو يقرأ القرآن، والطائفة هذه تقاتل الطائفة تلك وهم يقرؤون القرآن، والداعية هذا يكفر الدعاة الآخرين، وهم يقرؤون القرآن والسنة، والجميع يزعم أنه على الحق؟ أين الخلل؟ الخلل في اختلاف مناهج التربية والتعليم. توحد الشباب الصحابة، لأنهم تلقوا التربية والتعليم من مشرب واحد من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما كان الاختلاف حتى فتن شباب تلقوا معلومات خاطئة فتسببوا في خطيئة كانت وقودا للفتنة الكبرى. وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من دعاة الفتنة ودعاة الفتنة في كل زمان قد يكونون من السياسيين، أو من الإعلاميين، أو من كتاب مشتغلين بالفكر، أو من علماء متعصبين متنطعين، وكل انحرافهم من اختلاف تلقيهم التعليم. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم ﴿رَبَّنا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …