الرئيسية | أقلام القراء | عن الانتخابات مرة أخرى/ بقلم/ عبد العزيز كحيل

عن الانتخابات مرة أخرى/ بقلم/ عبد العزيز كحيل

ينتظرون منها التغيير؟ سبحان الله! التاريخ أحسن أستاذ…! لكن الناس هم أسوأ التلاميذ…! وعن أحبائنا الطيبين المخلصين لبلدهم أتكلم، لأن غيرهم من المحترفين لا يعنيني أمرهم، فقد رفعوا شعرات الوطنية والديمقراطية وردّدوا مزاعم الإصلاح والتغيير. مشاهد متكرّرة بنفس المقدمات ونفس النتائج، إن كان هؤلاء لا يعلمون ذلك فتلك مصيبة، وإن كانوا يعلمون ومع ذلك يتمادون فالمصيبة أعظم؛ لا أشير فقط إلى الأموال الضخمة التي ستُنفق من غير جدوى في زمن التقشف، بل خاصة إلى التسويق المتكرّر للأماني التي لم يعد أحد يبالي بها فضلا عن تصديقها.

يظنون – وكم تكرّرت ظنونهم وخاب – أنها مسألة رجال أصحاب كفاءة وخُلق متين، ترشح أكثر من مرة أصحاب هذه المواصفات وآل الأمر دائما –إلا نادرا – إلى عواقب وخيمة أو روتين قاتل، لأن هؤلاء المنتخَبين مجرد موظفين صغار لدى الإدارة سرعان ما تبتلعهم وتروّضهم أو تلفظهم، ولن يجنوا من التجربة إلا السلبيات، ولن يخدموا المجتمع في قليل ولا كثير.

كم أشفق على الشباب المثقف الملتزم حين يُغرونه بدخول انتخابات لا لون لها ولا طعم ولا رائحة – إلا ما نكره –  لأنه لن يقدم ولن يؤخر مهما كان إخلاصه، فالقضية لا تتعلق بالإخلاص ولا بالأشخاص كما يتوّهم أصدقاؤنا، بل هي قضية مناخ سياسي عام لا يجدي معه الترقيع، بل هو في حاجة إلى تغيير جذري، لذلك طالبتُ أكثر من مرة في كتاباتي المتواضعة بالتفكير الجادّ في مشروع منبثق من المجتمع بكل مكوناته، وأن يضع تصوّرا علميا للخروج من الوضع المتأزم عبر آليات ديمقراطية قوية تُشرك الجميع في الرؤية والتسيير بشفافية وصدق.

أنا كمواطن أتفهم جيدا رغبة المخلصين في الإصلاح لكن هذا شيء والسذاجة شيء آخر، وأخشى ما أخشاه – وقد علّمتنا التجارب – أن أقصى ما ينتظر هؤلاء الطيبين الذين يرفعون مستوى التوقعات عاليا هو التلوّث الذي يصيب أمثالهم دون مقابل حين يدخلون هذا المعترك الذي يعرفون دوافع أصحابه ومناخه وما سيؤول إليه حتما كما هو مخطط له ومتجدد منذ ربع قرن.

كيف لا يتعظون من الاستحقاقات السابقة؟ كيف يبالغون في التفاؤل رغم الحمّامات الباردة التي صبت عليهم أكثر من مرة؟ هل يستقيم الظل والعود أعوج؟

هل أنا في حاجة إلى التأكيد مجددا أني لا أدعو إلى السلبية والقعود، بل أدعو إلى الايجابية عبر مغادرة منطقة الأوهام والأحلام أولا، ودخول ساحة التغيير العلمي البعيد المدى ووضع مشروع مجتمعي ديمقراطي نحتكم إليه في حياتنا السياسية؟ وأعلم أن من ألِفوا الحياة المتعفّرة – حتى لو عرفناهم متطهرين – لا يحبون كلامي هذا لأنه يقتضي التفكير الطويل والوقت والجهد، بينما هم يدورون في زوايا الواقع المتأزم حتى أصبحوا جزءا منه لا يرون إمكانية أي إنجاز خارج إطاره، أي أنهم أصبحوا جزءا من المشكلة لا من الحل.

بلغة السياسة أقول لا بديل عن هذا الحلّ رغم أنه إنجاز صعب يفرّ منه المستعجلون الذين صاروا لا يُحسون بضخامة التضحيات النفسية والمادية من أجل نتائج هزيلة يتكرّر مشهدها درويا، وبلغة الدعوة أقول كيف يوفقنا الله وقد تجاوزت الحياة السياسية والاجتماعية من الرداءة إلى التفاهة، وتجاوز المجتمع المعاصي والذنوب إلى حد الإلحاد والانحراف الفكري، وأصبحت تتبجح ويعلو صوتها.

سننجح يوم أن نتصالح مع الله عز وجل، ومع بعضنا، ومع الأداء الحضاري الذي لن به لا تستقر أمة من دونه في زماننا هذا، والاشتغال بهذا الإصلاح أنفع لنا في الدنيا والآخرة من عملية انتخابية تفتقر إلى المصداقية، وإلى الرؤية العلمية الواضحة.

إني تعمدت رفع السقف عاليا، لأني أخاطب النخبة الملتزمة عسى لا يطول تيهُها.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الذات الحضارية للأمة..طريق النهوض والتقدم/ د. إبراهيم نويري

المتأمل في ساحاتنا الثقافية والاجتماعية ونحوها، يلاحظ بأن هناك  تياراً عريضاً من الناس في أمتنا – بما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *