الرئيسية | في رحاب السنة | من دقائق الصناعة الحديثية (3)

من دقائق الصناعة الحديثية (3)

أخرج الإمام مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر].

أشرنا في الحلقة السابقة إلى بعض الإشكالات التي نصّ عليه بعض العلماء، وهم يشرحون هذا الحديث، علما بأنهم تعاملوا معه على أساس أنه ثابت، ولم يعرِّج أحد منهم على احتمالات الضعف فيه.

والشاهد مما سبق ذكره أن هناك إشكالا قائما في الفهم، بغضّ النظر عن الأجوبة التي أُعطيت، وليست هذه الآية الوحيدة في هذا المجال، التي اعترض بها ابن عرفة المفسر على ظاهر الحديث، فقد أورد غير واحد من المفسرين الآيات التي تتحدث عن أن للمؤمن وعدا بحياة طيبة في الدنيا، يُمتّع فيها و يُرفّه، وقد أورد الشنقيطي في أضواء البيان(2/276) هذه الآيات فقال: “والظاهر أن المراد بالمتاع الحسن: سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا، وأن المراد بالأجل المسمىى الموت، ويدل لذلك قوله تعالى في هذه السورة الكريمة عن نبيه هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}[هود: 52]. وقوله تعالى عن نوح :{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً}[نوح: 10/12] وقوله تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}[النحل:97] الآية. وقوله:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}[الأعراف: 96] الآية. وقوله:{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} [المائدة:66]. وقوله:{ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2/3].

وعقّب الأستاذ سيد قطب في الظِّلال على آية {يمتعكم متاعا حسنا} بالقول(6/3713): “وهذه القاعدة التي يقررها القرآن في مواضع متفرقة: قاعدة صحيحة تقوم على أسبابها من وعد الله، ومن سنة الحياة، كما أن الواقع العملي يشهد بتحقّقها على مدار القرون، والحديث في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد، وما من أمة قام فيها شرع الله، واتجهت اتجاها حقيقيا لله بالعمل الصالح والاستغفار المنبئ عن خشية الله، ما من أمة اتقت الله وعبدته وأقامت شريعته، فحققت العدل والأمن للناس جميعا إلا فاضت فيها الخيرات، ومكن الله لها في الأرض، واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح سواء.

ولقد نشهد في بعض الفترات أمما لا تتقي الله ولا تقيم شريعته، وهي مع هذا مُوسَّع عليها في الرزق، مُمكّن لها في الأرض، ولكن هذا إنما هو الابتلاء: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} ثم هو بعد ذلك رخاء مؤوف، تأكله آفات الاختلال الاجتماعي والانحدار الأخلاقي، أو الظلم والبغي وإهدار كرامة الإنسان”.

ومع هذه الحقيقة القرآنية التي تقررها آيات القرآن الكريم يصعب أن يأتي نص جزئي- مختلف في ثبوته- يشوِّش عليها؟ حتى مع التأويل الذي لجأ إليه المفسرون، وهناك نصوص حديثية أخرى تعضد ما قرره القرآن، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه الإمام مسلم(2/1090) عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة].

ومما ينبغي ملاحظته أن الإمام مسلم أخرج هذا الحديث، كما أخرج حديث: [الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر] والبخاري أعرض عنهما جميعا!

ويبقى-أخيرا- أن ما ذكره المفسرون من ثقل النواهي على النفس وحبسها عن الشهوات هو ما يجعل المؤمن شبيها بالسجين: قد لا يكون الوصف دقيقا، فالحديث ينصّ على المؤمن تحديدا، ولم يقل المسلم، والمؤمن إذا تمكّن الإيمان من قلبه يتلذّذ بالطاعة، ويتقزّز من المعاصي، والإحساس بما يشعر به السجين لا يَعرف إلى قلبه سبيلا، بل إن العقلاء من غير المسلمين ينظرون بنفور إلى الوالغين في الفسوق والمجون بغير قيود.

وما أودّ الوصول إليه أن الإمام البخاري قد يكون له منهج مقاصدي في التخريج، يُضاف إلى ما استنتجوه من شروط إسنادية، فالحديثان اللذان أخرجهما مسلم-وما أوحياه من تعارض في وصف الدنيا بالسجن وبالمتاع – أعرض عنهما البخاري، ليس فقط في صحيحه، وإنما في الأدب المفرد أيضا!

عن المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *