الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | لمن البقاء؟/ محمد الصالح الصديق

لمن البقاء؟/ محمد الصالح الصديق

نظريتان مختلفتان تقول إحداهما:”البقاء للأصلح”، وتقول الأخرى:”البقاء للأقوى” فالأولى نظرية الإسلام وكلمة السماء، تأمل جيدا هذه الآيات:{وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}،{إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}،{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}،{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ}.

فالمنتصر هو القوي بالله، القوي بالإيمان الذي ينضر وجهه الحياة، ويحقق سعادة الناس، ويسوس بالعدل، ويرسي قواعد الأمن والمحبة والإخاء… من شأن هذا أن الأحداث لا تعصف به، ولا تنال من قوته، لأنه أكبر من الأحداث، وأقوى من المصائب، وكيف لا وهو يستمد الكبر والقوة والاستعلاء من ذاته…

إنه قد يمنى بالهزيمة يوما، ولكنها عثرة وقتية لابد من تعقبها نهضة، ووثبة، وصولة، وجولة وانتصار مبين، لأنه “الأصلح” للبقاء.

وأما المتطاول بقوته، المغتر بسلطته، المستخف بحقوق الناس ومصالحهم، والذي إذا ساد في الأرض خرب وعاث، ونشر البغي والفساد، فقد سجل القرآن ذهاب قوته، وزوال ملكه، ونهاية حياته، لأنه وإن كان قويا فهو غير صالح للبقاء{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} وإذا عمقنا النظر في الماضي وأخذنا نعد الأمم التي كانت تحت هذه الشمس تتصرف تصرفا مطلقا، وتعيش في سكرة من الرخاء والنعيم، ثم بادت وتمزقت صفحتها من الوجود، هالنا الأمر، وتملكتنا الحيرة، فأين التتر والمغول؟ وأين النوارماندو والساكسون؟ وأين الفرس والروم؟ وأين أمم أخرى مرت بهذا الوجود، لولا التاريخ ما علمنا عنها شيئا.. والتأمل في تاريخ أمتنا يجده مليئا بصفحات الفخار، تنطق بالأبدية والدوام، والاستعصاء على الموت والفناء… لقد عصفت بها عواطف عاتية، في أحد والخندق والحديبية، ومؤتة، ثم حلت بها محن في عهد أبي بكر وزلزلتها فتن في عهدي عثمان وعلي، ثم حاربها الصليبيون في عهد صلاح الدين، ثم انقض عليها التتر في عهد العباسيين، ثم تسلط عليها الاستعمار الأوروبي..كل هذا لم يزد أمتنا قوة وصمودا لأنها أقوى من الموت، ومن الفناء، بفضل عقيدتها ودينها ومبادئها.

وبقاء “الأصلح” مرهون ببقاء “صلاحه”، فإن هو تخلى عن صلاحه صار زبدا والزبد لا يبقى مع الحياة الزاحفة، لأنه غثاء غير نافع، والنافع هو الباقي الذي يعين الحياة، ويدفع بها إلى الأمام، وبقاء صلاح الفرد أو المجتمع، مرهون بالتزام الجادة، وإحكام الخلافة في هذه الأرض، فالاستخلاف في الأرض ليس محاباة، أو جزافا بلا غاية، ولكنه استخلاف للاختبار فلنتأمل جيدا هذه الآية الكريمة{عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ }.

عن المحرر

شاهد أيضاً

إنني معكما اسمع وأرى/ محمد الصالح الصديق

كان يحدثني عن المحاكم في الجزائر –وهو محام متضلع في القانون، وله أكثر من عشرين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *