الرئيسية | في رحاب الشريعة | الفتوى رقم: 250/ محمد مكركب

الفتوى رقم: 250/ محمد مكركب

الموضوع: علاج المسحور بالرقية الشرعية.

قال السائل: ابتلاني الله عز وجل – ونحمده تبارك وتعالى- بسحر ساحر أصاب ابني، فصار لا يستطيع أن يعمل، كما أنه لا يستطيع الدراسة، ويشكو أيضا من ضيق يصيبه مع كل مساء يصل به الحال إلى الإغماء، والأطباء قالوا لا شيء في جسده، وإنما قالوا: الذي به سحر، وأشار علي إمام بأن أقرأ عليه القرآن، وأنا لا أعرف ما هي السور التي يجب أن أقرأها؛ فهل يجوز أن نذهب به لقارئ يقرأ عليه؟ وهل السحر حقيقة ويضر كما يريده الساحر؟

وهل يجوز للمسحور أن يذهب إلى الساحر ليشفيه من السحر؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

أولا: نعم، السحر موجود حقيقة، ويؤثر في المسحور فعلا، ولكن ذلك التأثير بإذن الله عز وجل، إذا شاء أن يبتلي عبده، سبحانه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: 23] ، قال الله تبارك وتعالى:﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ[البقرة: 102].

وجمهور علماء الإسلام على إثبات السحر، بأن له حقيقةً  كغيره من الأشياء الكائنة، والدليل في القرآن والسنة، أن الله تعالى قد ذكره في كتابه ومنه الآية السابقة [البقرة:102]، وورد البيان أن السحر صنعة تُعلم، وأن السحر يفرِّق بين المرء وزوجه، وهذا كله دليل على أن السحر حقيقة. والسَّحرة هم من أكبر الفجرة، فإذا وجدوا متلبسين بفعل السحر يُقتلون قتل “الحرابيين” لبشاعة فعلهم. والسؤال هنا: ما هو السحر؟

السِّحرُ: عُقَدٌ يعقدها الساحر وهو يتكلم بكلام أو يكتب كلاما كفريا يرضي به الشيطان، وينفث في تلك العقد، ثم يدفنها في مكان غريب حيث لا يعلم، وقد ينفث في عقاقير ويضعها في أكل ليسحر به من يريد أن يصيبه بذلك.  فيؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له عليه، ومنه ما يؤدي إلى المرض، ومنه ما يؤدي إلى موت المسحور، ومنه ما يحبس الرجل عن امرأته. وتلك الأضرار تقع بتعاون بين الساحر والشيطان، مقابل منفعة بينهما، حيث يقوم الساحر بفعل المحرمات )كإهانة مقدسات دينية كالمسجد مثلا(، في مقابل مساعدة الشيطان له وطاعته فيما يطلب منه.

لذلك قلت لك إن فعل الساحر جريمة كبيرة يستحق القتل، فالذي يحارب الله بالشركيات والكفريات، ويضر عباد الله بالسحر أخطر من قاطع الطريق.

والله تعالى أعلم.

ثانيا: هل السحر يؤثر ويمرض العبد؟ الجواب: نعم، وقد يؤذي العبد إيذاء كبيرا وشديدا من فعل السحر. قلت لك يؤثر السحر في بدن المسحور أو عقله، ومنه ما يمرض، ومنه ما يؤدي إلى موت المسحور، عندما يشتد عليه الألم والتخبط، والضيق والاختناق، وكل ذلك بما يقدره الله تعالى. لأن الله تعالى يقول:﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. فلا شياطين الإنس، ولا شياطين الجن يستطيعون فعل شيء لم يشأه الله تعالى.

والله تعالى أعلم.

ثالثا: هل يعالج المسحور بالقرآن الكريم؟ الجواب: أجل، ويكون العلاج من إصابة السحر بالقرآن الكريم، وهو علاج مشروع. قال الله تعالى:﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82]، وقال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ[الأنعام: 17].

ويعالج السحر بتلاوة القرآن الكريم، سواء كان ذلك بقراءة المسحور نفسه، إذا كان يعي ويحسن قراءة القرآن الكريم، ويجوز أن يقرأ آيات الشفاء، منها قول الله تعالى: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 80]، والآيات التي تتحدث عن إبطال السحر منها قوله تعالى:﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ . فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ. فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ[يونس: 79/81]. أو أن يقرأ قارئ على المسحور، فينفث عليه في صدره أو في أي عضو من أعضائه، وفي المكان الذي يتألم منه، ويقرأ: سورة الفاتحة، وآية الكرسي، وسورة الإخلاص، والمعوذتين، وآيات السحر. ويدعو له بالشفاء: [ اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، نسألك شفاءً لا يغادر سقماً]، ويكرر هذا ثلاثاً. وبالدعاء: [بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك] ويكررها ثلاثاً. عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان [إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث] قالت: [فلما اشتد وجعه، كنت أنا أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها] (الموطأ. كتاب العَين).

والله تعالى أعلم.

رابعا: قال السائل: “وهل يجوز للمسحور أن يذهب إلى ساحر ليشفيه من السحر؟” الجواب:  نسأل الله تعالى العفو والعافية، والسلامة والصحة لكل المؤمنين، وأسأله سبحانه وتعالى، أن يقينا وإياكم شر السحرة الفجرة، آمين، آمين. ثم أنصح من ابتلاه الله عز وجل بمصيبة سحر ساحر، أن يرقي نفسه بالقرآن أولا، فإذا طال عليه المرض، وهذا أيضا من الابتلاء لا يظن أن استشفاءه بالقرآن لم ينفعه، أو لم يكفه، فلننتبه لهذا الأمر. فعليه أن لا يذهب إلى كاهن ولا ساحر ولا مشعوذ ولا يجوز له ذلك؛ وإنما يذهب إلى عالم- إلى إمام من أئمة المساجد مثلا- ويطلب منه النصيحة، وهو بدوره يوجهه إلى ما يجب فعله.

والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

  

عن المحرر

شاهد أيضاً

التكافل المجتمعي أعظم أساس في بناء الدولة القوية

الشيخ محمد مكركب أبران/ إن الأسس الكبرى لبناء الدولة نجملها فيما يلي: الأساس الأول: الحاكم …