الرئيسية | على بصيرة | كشف المستور عن القدس المغدور/د. عبد الرزاق قسوم

كشف المستور عن القدس المغدور/د. عبد الرزاق قسوم

 

تفقد المفاهيم دلالاتها، وتحيد المعاني عن غاياتها، عندما تمتزج الحقائق بالأباطيل، ويمكَّن لنشر الأقاويل، فتزرع الطريق بأشواك التضليل والتهويل، ويتيه العقل بعد أن يضل السبيل.

نحن نعيش اليوم حرب دلالات ومفاهيم، إذ يتبارى الناس في التلبيس، ويجارون في الشر مساعي إبليس، فيعملون على جر الطيبين نحو القنوط والتيئيس.

يحدث هذا في زمن المتاجرة بالقضايا العادلة، فيختلط الحابل بالنابل، من جراء انزواء الطبقة الفاضلة، وبروز الزمرة الانهزامية الخاذلة، وما بين الصفوة الفاضلة، والزمرة الخاذلة، ضاعت الأمة الباذلة ذات القضية العادلة.

نحن نعاني اليوم، في كل لحظة تبعات القضية الفلسطينية ذات الذنب الطويل، فيسود العويل، وينكوي الغليل، ويذل العزيز، ويعز الذليل.

انقسم العالم اليوم –إذن- بين دعاة الحق ودعاة الباطل، وكل يدّعي وصلا بالحق، فلا يستقيم له أمر، ولا يصاحبه شكر.

أولى أسباب المأساة الفلسطينية –اليوم- هذا الانقسام المخزي، الذي قصم ظهر القضية الفلسطينية، فأبان ضعفها للعالم، وهي القوية بحقها، العزيزة بجندها، فطمع فيها العدو الصهيوني، وهو الضعيف بباطله، المخذول بعساكره.

وتأتي أسباب المأساة هذه التجزيئية التي انطلقت من معاهدة أوسلو الجائرة، فأحدثت سلطة بلا معاني السلطة، وسربت عقارب العدو الصهيوني بين أقارب الشعب الفلسطيني.

وثالث الأسباب، هو تخاذل العرب، وتخليهم عن القضية الفلسطينية، فمكنوا بذلك للعدو الغاشم ليستأثر بغزة، فيفرض عليها الحصار، ويطوقها  بالحديد والنار، ويستفرد باقتطاع الأجزاء من الوطن المغتصب، فيبني المستوطنات على حساب الحق الفلسطيني الضائع، والمواطن الحقيقي الجائع.

ثم كانت مأساة القدس الشريف، التي لولا المرابطون والمرابطات، لضاعت قبة الصخرة، وما يحيط بها من فضاءات.

وكانت ثالثة الأثافي، التي شجعت الرئيس الأمريكي الوافد إلى البيت الأبيض، شجعته على فعل فعلته التي فعل، وهي الدوس على الحق العربي والإسلامي والفلسطيني، بإعلان نقل سفارته إلى القدس، كعاصمة للاحتلال الصهيوني.

وينكشف –في ظل هذا كله- المستور عن قضية فلسطين، وغزة، والقدس، بسبب الخاذلين للجهاد والمجاهدين، والمتنكرين للمقاومة والمقاومين.

ويتجلى كشف المستور، في قفز البعض على الحق المغدور، والتنكر للدستور، وصب الزيت في طاحونة الغطرسة والغرور.

فهل أتاكم ما دعت إليه واشنطن، في مقابل  ما تدعو إليه كوالا لامبور؟.

فواشنطن، تدعو أهل الدبابات السماوية إلى إحياء حلف الفضول العالمي، لإشاعة المحبة والسلام بين الأديان، وأفلحت واشنطن أن صدقت في جمع علماء الدين، على اختلاف نحلهم، لوضع حلف فضول، تأسيا بالحلف التاريخي العربي، الذي قال عنه رسولنا صلى الله عليه وسلم إنه حلف، لو دعيت إليه في الإسلام لقبلت.

وإننا من باب الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم نريد أن نلبي الدعوة إلى إحياء حلف الفضول العالمي المعاصر اليوم، ولكن بعد أن نبحث عن أجوبة لأسئلة حائرة، سوف تظل تبحث لها عن أجوبة.

فمتى كانت واشنطن مصدرا للدفاع عن الشخصانية والتشخصن؟

هل ستغير واشنطن السياسية مواقفها من قضايا أصحاب الحق والمستضعفين، فتكف عن الكيل بمكيالين، وتنصف المظلومين من الظالمين، وتعيد إلى سياستها  المبادئ المفقودة فيها، مثل التي دعا إليها زعيمها الخالد أبراهام لنكلن؟

متى تستيقظ واشنطن الرئيس دونالد ترامب، من غفلتها، فتكف عن وصف الملونين من أبناء المعمورة، بالقاذورات والحثالات؟

وهل يعود أهل الديانات على اختلاف مللهم ونحلهم، إلى حقيقة الدين، أي إلى الحب، والأخوة، والوئام، والسلام، فيقولون للظالم الصهيوني، في فلسطين كفى ظلماً، واغتصاباً؟ ومتى يعلن علماء الديانات المختلفة عن تضامنهم مع المعذبين من علماء الدين المغيبين في غياهب السجون، لا لجرم ارتكبوه إلا “أن يؤمنوا بالله ورسوله”؟

إن كشف المستور عن قضية القدس تحيلنا إلى مؤتمر كوالا لامبور، بعد قمة اسطنبول، وكلها دعوة إلى إعادة الوعي المفقود إلى الحكام والعلماء، والأدباء، والحكماء، أن يتناهوا عن منكر، يحدث أمامهم ويتمثل في تكميم الأفواه، وإذلال الجباه، وإطلاق أيدي الجناة.

كان إمامنا محمّد البشير الإبراهيمي بتندر بنادرة ذات معنى عميق هي قوله: “متى كانت بوزريعة مصدرا للشريعة؟” وبوزريعة حي من أحياء الجزائر التي كانت تطلق منه لجنة الفتوى المعينة من الاستعمار الفرنسي، تطلق فتواها بمناسبة رؤية الأهلة.

والتاريخ يعيد نفسه اليوم، حين تدعو واشنطن إلى الأخوة بين الديانات، وإحلال الحب والسلام بين الطوائف والأقليات.

ورب ضارة نافعة، فعسى أن يعمل أهل الديانات الذين سيجتمعون في واشنطن بحثا عن الحب والسلام، أن يوعوا بعضهم بعضا فيعمل إخوتنا من أتباع الديانة اليهودية بكف الصهاينة عن الظلم، وتلك أول خطوة في طريق حلف الفضول الداعي إلى الحب والوئام، ويعود إخواننا اتباع الديانة النصرانية إلى مقولة “من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر”، وبذلك يوعوا حكام الغرب وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي، كي ينصف أهل الحق، ويضرب على أيدي أهل الباطل.

والأمر أيضا مطلوب من علماء الأمة الإسلامية، كي يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، فيكفوا الحكام عن سجن علماء الدين، ويمكنوهم من أداء دورهم الذي أمرهم الله به في قوله ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، إن في ذلك كشفاً للمستور عن القدس المغدور من واشنطن إلى كوالا لامبور.

عن المحرر

شاهد أيضاً

متى يَرْعَوي الذين في قلوبهم مرض والمرجفون في الإعلام والمدينة؟

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ ابتليت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ …