الرئيسية | بالمختصر المفيد | الهجرة إلى الحضارة/ كمال أبوسنة

الهجرة إلى الحضارة/ كمال أبوسنة

لم يُستقبل الدين الجديد في بداية ظهوره في الجزيرة العربية بالترحيب في بيئة ألفت ما كان عليه الآباء من عبادة الأصنام واتباع عوائد وثنية وقبَلِيّة طاغية على العقول والقلوب أشاعت الفوضى والحمية على حساب الحق والنظام، وجعلت العرب قبائل متشاكسة موزعين بين الولاء للروم أو الفرس…

وأفضل من وصف حال العرب قبل مجيء الإسلام بأسلوب بليغ في كلمات وجيزة جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- حين قال لملك الحبشة : “أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام – فعدد عليه أمور الإسلام – فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث…”.

لقد أعلن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد فتحه مكة المكرمة قائلا: “لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية” وكأنه أراد أن ينبه إلى أن الهجرة الجسدية من بلد إلى بلد ومن أرض إلى أرض قد انتهى عهدها، وفتح عهد “الهجرة الحضارية” بالأمة إلى أعلى درجات التحضر الموصول بخالق الأرض والسموات، فأي حضارة غيبت وجود “الله” في حياتها حتى وإن صعد أبناؤها إلى المريخ ونالوا نصيبا كبيرا من العلوم، واكتسبوا التطور التكنولوجي، وامتلكوا أسباب الرفاهية التي لم يعرفها أسلافهم، فإنهم والجاهلي الذي كان يركع ويسجد للحجر سواء، لأن حقيقة هذه الهجرة لم تكن رحلة عادية من أرض إلى أرض، بل هي رحلة حضارية ارتقى من خلالها “محمد الداعية” بأمته أولى درجات سلم التحضر الحقيقي حيث بدأ يتشكل الهيكل الحضاري لخير “دولة” أخرجت للناس حلم بها المثاليون وحققها محمد -صلى الله عليه وسلم-، وصحبه الكرام – رضوان الله عليهم- على أرض الله التي شهدت حضارات أفسدت فيها وسفكت الدماء وقتلت الإنسانية في الإنسان عبر التاريخ.

إن معارك الإسلام اليوم مع “الجاهلية المتحضرة بالوسائل الفارغة من الروح” تختلف عن معاركه مع الجاهلية الأولى.

إنها معركة حضارية تحتم على المسلمين أن يصنعوا كل شيء بأنفسهم بدءًا من الإبرة، وانتهاءً بالصاروخ العابر للقارات، وإلا فإنهم لن يدركوا ما أدركه المسلمون الأوائل من نصر أهلهم لقيادة العالم وسيادته قرونا طويلة.

إن المنهج الإسلامي منهج صحيح وطريقه موصل إلى خيري الدنيا والآخرة، ولكنه بحاجة إلى المتدينين الذين يجمعون مع نظارة المظهر جمال المخبر، ويرجون في كل خطوة يخطونها وجه الله، ويوالون الإسلام لا الهيئات، ويمضون مع الحق حيث وجدوه، ولا يجتمعون ولا يتفرقون من أجل الدنيا التي قال في شأنها رب العزة﴿ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.[سورة آل عمران الآية: 185].

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإسلام منهج شامل/ كمال أبو سنة

الراسخون في العلم الشرعي يدركون جيّدًا أنّ الفكرة الإسلامية شاملة لا تتجزأ، وكاملة غير منقوصة، …