الرئيسية | أقلام القراء | من مآسي العلم في زماننا “ليسوا طلبة علم إنهم علماء…”!/ عبد العزيز كحيل

من مآسي العلم في زماننا “ليسوا طلبة علم إنهم علماء…”!/ عبد العزيز كحيل

لا يجلسون إلى الشيوخ ليستمعوا…! بل ليتكلموا…! وعلى الشيوخ أن يسلّموا لهم..!

لا يتعلمون وإنما يعترضون…!

لا يتواضعون كالتلاميذ…! لكن يترفّعون كالمستغنين…!

لا يسلّمون لا لمفسّر ولا لمحدّث ولا لفقيه ولا لأصولي ولا لمفكّر ولا لداعية…! لأنّ كلّ واحد منهم هو وحده المفسّر والمحدّث والفقيه والأصولي والمفكّر والداعية…!

لا يحملون كراسا ولا قلما، ويحملون بدلا عنهما مطرقة القاضي الذي ليس بعد قوله قولٌ…!

كيف هذا؟!

قرأ الواحد منهم ورقات في مصطلح الحديث أو سمع درسا لشيخ…! فنصّب نفسه محدثا وحكم أن ذلك الشيخ هو بخاري زمانه…! أي استنجد غريقٌ بغريق…! لا يفرّق بين الإمام ابن (…) والإمام ابن ( …) ويسارع إلى تخطئة هذا الكاتب وذلك المحاضر، وتحتدّ لخصومته، والعارفون ساكتون مشفقون عليه فيظنّ أنه قد غلبهم.

بضاعتُهم ليست العلم، بل الجدال والمِراء والحِدّة وسوء الأدب.

وليس شيءٌ أخطرَ على العلم من أنصاف العلماء وأرباع العلماء وأعشار العلماء…! ذلك هو الجهل المركّب الذي لا يعلم صاحبه أنه لا يعلم…!

تصوّروا حال من قرأ كتابا أو بعض كتب في الطب، ثم فتح عيادة يشخّص فيها الأمراض ويكتب الوصفات ويشرّح الأجسام… أليس خطرا يجب مواجهته وردعه؟! أوليس اقتحام حِمى الدراسات الدينية بغير بضاعة أخطر وأنكى وأولى بالمواجهة؟

وقل مثل ذلك عمّن يتركون مُحكَمات القرآن والسنة النبوية، ويتّبعون المتشابه أي ما يحتاج إلى تخصّص علمي دقيق للجمع بين النصوص والربط بين الخاص والعام ونحو ذلك، فهم “يكتشفون” كل يوم تناقضا هنا، وتناقضا هناك – في الآيات والأحاديث – ويبتهجون بذلك لأنه يدلّ على عدم صلاحية الشريعة…! مساكين…! لو اتقوا ربهم لوقفوا عند قوله: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} [سورة آل عمران:7].

الراسخون يؤمنون وهؤلاء يجادلون، ويظنون أنهم راسخون.

المؤمن التقي يسلّم لحكم الله تعالى، ويسأل الراسخين، أما “علماؤنا” أبناءُ المطْرة الأخيرة “tombés de la dernière pluie”  فلا يردعُهم حكم الله، والعلماء لا يملؤون عيونهم…!

إنه الغرور…! إنه الشيطان ينفخ في ذاتهم المنتفشة ليزيدهم بُعدا عن أخلاق طلب العلم، وصراط المؤمنين.

للعلوم الدينية قدسيتها وأخلاقها ورجالها، لكن البداية الموفقة تكون من غير شكّ بالإخلاصّ بدل حب الذات، وبتصحيح النية وترك تصيّد الشبهات الممجوجة، وتحرير القصد ليكون السعي لله تعالى، لا الانتصار لهذا المذهب الفقهي، أو ذلك التيار العلماني.

هذا جانب أساسي من مأساتنا يجب أن نحمل همّه؛ العلمَ العلمَ، والتواضعَ التواضعَ، وتقوى الله قبل كل شيء.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …