الرئيسية | اتجاهات | الطريق الصحيح/ محمد الحسن أكـــيـــلال

الطريق الصحيح/ محمد الحسن أكـــيـــلال

 

 

كل التجارب الماضية لكل شعوب الأرض تؤكد صدقية المقاومة والكفاح المسلح كسبيل وحيد لاسترجاع الحقوق المسلوبة وما عداها فهي إلهاء وإضاعة لوقتها وهدر لطاقاتها وإطالة لا مبرر لها لبؤسها وشقائها، والشعب الفلسطيني ليس استثناء، فهو أدرك منذ البداية أن خياره هو الأصح والمدعون الحرص عليه وعلى مصالحه إنما يريدون إبقاءه حيث كان كما كان إلى حين استسلامه ورضوخه لإرادة المحتل الغاصب الذي هو في الحقيقة ليس واحدًا ولا وحيدًا فهو مجموعة لا حصر لها من الأعداء وأخطرهم الأقربون.

قدر الشعب الفلسطيني ابتلاؤه من الجغرافيا والتاريخ معا، فالأرض التي وجد عليها منذ الأزل اختارها الله عز وجل لتكون حديقة للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فهي على ضيق مساحتها كانت مطمع الكثيرين من الغزاة والوافدين من كل الآفاق، المؤمنين منها والضالين الفاسقين. ثم السعي للاندماج والاختلاط به وإعلان أحقيته بالأرض قبله.

إن خطر المحتل الحالي كونه اعتمد الدين والأمر الإلهي مستندًا لمطلبه لإقناع العالم في وقت كانت فيه أغلب شعوب الأرض منكبة مغلولة تساق بالحديد والنار من طرف الصليبيين الأوروبيين لأكثر من خمسة قرون من الزمن عاشوا خلالها فسادًا وتزييفًا وتزويرًا في الأديان والتاريخ والثقافات إلى أن اهتدوا لفكرة وضع ناموس جديد وملة ابتدعوها اعتمادًا على دينهم المحرف وبحثوا لها عن مريدين وأتباع من اليهود للتخلص من شرورهم وأخلاقهم وعاداتهم التي يستهجنونها ويتأففون منها، فكانت الصهيونية التي هي في الأصل ملة للمسيحيين البروتستانت الانجليكانيين أغروا بها فنانا يهوديا طموحًا يسعى للشهرة بأي ثمن هو “هرتزل” الذي لم يجد وسيلة لإقناع بني جلدته من اليهود غير إغرائهم بالعودة إلى “أرض الميعاد” – يهودا والناصرة – بما فيها “أورشليم” حسب التعابير التي وضعوها هم في كتبهم المقدسة.هذه الملة أو الدين الجديد الذي لم ينجح كل كبار الصهاينة اليهود في إقناع أغلبية اليهود في العالم باعتناقها والعمل بوصاياها وأوامرها يبدو أنها استهوت البعض من المحسوبين على العرب المسلمين في السنوات الأخيرة إلى درجة قيام بعضهم بالدعوة للتطبيع مع الدولة التي أنشئت لها على أرض فلسطين ووصلت القناعة بالكاتب السعودي “أحمد العرفج” إلى درجة استعطافه للمتتبعين للقناة التي كان يتحدث فيها طالبا منهم تفهم ذهنية ونفسية وعاطفة اليهود الصهاينة المحتلين باعتبارهم يقدسون القدس مثلما يقدس المسلمون مدينتي مكة والمدينة المنورة، هذا كاتب يمكن البحث له عن عذر في عدم النضج واكتمال الرؤية وقصر النظر؛ أما أن يصل الأمر إلى رئيس مصر وبعض الملوك والأمراء الناشئين أصلا في حضن الدين الإسلامي الحنيف قرآنا وسنة ويتشاورون مع مستشار الرئيس الأمريكي وصهره الصهيوني “كوشنر” فذلك ما لا يقبله المنطق ولا يستسيغه العقل السليم والإيمان الصحيح؛ وخاصة وأن التشاور يخص أرضا غير أرضهم ملك لشعب غير شعبهم ومدينة مقدسة كانت أولى القبلتين وفيها ثالث الحرمين الشريفين ومنه أسرى بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام إلى السماء.

إن الشعب الفلسطيني الأعزل لم يطلب من هؤلاء سلاحا ولا جنودًا لحمايته من إجرام وجبروت وفتك الجيش الصهيوني، ولم يكن يلومهم على عدم التزامهم بالدعم المالي الذي وعدوه به، ولكنه لم يكن يخطر بباله يوما أن يتحالفوا مع عدوهم ويعادوا شعبا مسلما شقيقا لهم في الدين والإنسانية وحب الحرية مثلهم، بل ووصلت الوقاحة بأحدهم أن طلب من الحكام الصهاينة إعلان الحرب عليه وتدمير بلاده لتسوية الأرض، كل الأرض المحيطة بدولهم ودولة الصهاينة أرضا قاحلة تسكن فيها البقية الباقية من الشعوب العربية والفارسية في خيام اللاجئين، دون أن يعلموا أو يعوا أن ما يطمحون إليه من تبوؤ لمكانة القوة والأقوى في الإقليم لن يكون لهم، بل للدولة الصهيونية التي تنتظر هذه الفرصة من يوم ميلادها.

للحقيقة فإن هؤلاء كانوا منذ بدأت مأساة الشعب الفلسطيني محرجين في البداية ثم ساخرين من القوى الشعبية العربية المناهضة لذلك الاغتصاب، وأن مؤرخين كثيرين غربيين وعربا سجلوا حدوث لقاءات سرية بين بعض هؤلاء العرب المسلمين ومسؤولين غربيين ممن ساعدوا على إنشاء الدولة الصهيونية، والجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تكن موجودة، بل وكان الحكم في هذه البلاد لحليف الدولة الصهيونية، والحرج والسخرية من قومهم الثائرين بلغ أوجه بالتآمر ضد كل الحكام العرب المطالبين بتحرير فلسطين ابتداء من الراحل المرحوم “جمال عبد الناصر” والراحل المرحوم “هواري بومدين” وصولا إلى الراحل المرحوم “صدام حسين” والراحل المرحوم “معمر القذافي” لدعاوي كثيرة تتلخص في الاستبداد والدكتاتورية التي حكموا بها شعوبهم، وكأنهم هم يحكمون شعوبهم بالعدل والإحسان والديمقراطية الحقة.للأسف الشديد أنهم بلغ بهم الذكاء العكسي إلى درجة تصورهم أن تهيئة الجغرافيا الطبيعية والبشرية والسياسية للمنطقة والاستيلاء على الممرات المائية من قناة السويس والبحر الأحمر وباب المندب والخليج الذي سمي عربيا منذ الخمسينيات من القرن الماضي إنما يفعلون ذلك لصالحهم ولا يدرون أن القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية التي تمتلكها الدولة الصهيونية تدخرها للمرحلة القادمة بعد التخلص النهائي للقوتين الإسلاميتين الإقليميتين – تركيا وإيران – وأن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية والدولة الصهيونية يدفعون بدول التحالف العربي وعلى رأسه المملكة العربية السعودية ومصر لشن حرب ضد إيران مثلما فعلوا في العراق في عهد “صدام حسين” ليتم التدمير الشامل للقوتين المتحاربتين ليخلو الجو فيما بعد للقوة الحقيقة التي أنشأتها القوى الإمبريالية الغربية قاعدة عسكرية أمامية ضدهم جميعا باعتبارهم مسلمين.إنهم خدعوا بغرورهم واستهانتهم بالشعب الفلسطيني وشقيقه اللبناني اللذين تجمعهما الجغرافيا مع كل الشام والعراق وقوى المقاومة المسلحة الثائرة ضد الوجود الإمبريالي والصهيوني.إن محور الممانعة التي فجرته اتفاقية “كامب ديفيد” والذي استطاع الرئيس الراحل “هواري بومدين” رحمه الله إحياءه بجبهة الصمود والتصدي ثم دمرته أمريكا وإسرائيل عام 1982 بإخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت أعاد تشكيله مرة أخرى تدخل الغرب في سوريا والعراق ضد عدو صنعوه هم بأنفسهم.وما زاد هذا المحور قوة وإرادة وعزما تدخل الرئيس الأمريكي الجديد “دونالد ترمب” بإعلانه مدينة القدس عاصمة للكيان الصهيوني كعنوان لصفقة القرن كما سماها، إنها بمثابة الماء البارد الذي صب على جسم المقاومة العربية الإسلامية لتنهض من جديد وتمسك بزمام أمرها لترد الصاع صاعين وتستعيد الحق الضائع بأية أسلحة تطالها أيدي أطفال وشباب وصبايا فلسطين المحتلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

دَعُوكـــــم مــن الــــورع الكـــــاذب

عبد العزيز كحيل/ ما هذا؟ قوم من «المسلمين» يظهرون التأثر الشديد عند موت فاجر أو …