الرئيسية | في رحاب الشريعة | الدعوة الإسلامية على خطى المنهجية النبوية/ محمد مكركب

الدعوة الإسلامية على خطى المنهجية النبوية/ محمد مكركب

من بين أهم الأسئلة الجوهرية في دراسة السيرة النبوية أن يعلم المسلمون والمسلمات وهم يستحضرون ذكريات السيرة النبوية ما هي مقاصد الدعوة المحمدية؟ كيف كان عليه الصلاة والسلام يدعو الناس، ليتعلم الداعي إلى الدين كيف يدعو، والمدعو إلى الدين كيف يستجيب؟. فكيف دعا إلى الإيمان ليؤمن المؤمن عن علم ويقين، وكيف علم الصحابة الأخلاق في المعاملات، وكيف صنع من وحدتهم أعظم دولة في التاريخ؟.

كل  صاحب دراسة أو بحث بعيد عن القرآن والحديث لا يكون في مأمن من أن يزيغ فكرُهُ أو يزل قلمُه، فالتحصين المتين لا يتم إلا بالكتاب المبين، خصوصا في الدراسات والبحوث التي تخص مجال الفكر الإسلامي ومنه: موضوعات السيرة النبوية. فتعالوا معشر القراء الكرام لنبدأ بالقرآن الكريم.﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ أمره ربه عز وجل أن يُعرف نفسه صلى الله عليه وسلم، على أنه بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ليس ملكا، ولا يعلم الغيب، ولا يُعبد، ولكنه رسول يوحى إليه، وقد أمر بالتبليغ، ويدعو إلى توحيد الله، قل ﴿ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ أي لست بملك بل أنا من بني آدم. قال الحسن: علمه الله تعالى التواضع ﴿ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وكان يقول عليه الصلاة والسلام:[ قولوا لا إله إلا الله تفلحوا] فإذا كنا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو فرض واجب، ومنطق معقول عند كل العقلاء، فإن هذا يقتضي منا أن نستجيب لما دعا إليه. ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ كيف نستقيم إلى الله؟ وكيف نستغفره؟ قال الرازي في تفسير ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى﴾: وبيان هذا الجواب كأنه يقول إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبرا وقهرا فإني بشر مثلكم ولا امتياز بيني وبينكم إلا بمجرد أن الله عز وجل أوحى إلي وما أوحى إليكم فأنا أبلغ هذا الوحي إليكم، ثم بعد ذلك إن شرفكم الله بالتوحيد والتوفيق قبلتموه، وإن خذلكم بالحرمان رددتموه، وذلك لا يتعلق بنبوتي ورسالتي، ثم بين أن خلاصة ذلك الوحي ترجع إلى أمرين: العلم والعمل، أما العلم فالرأس والرئيس فيه معرفة التوحيد. فلما أمر بذلك انتقل إلى وظيفة العمل والرأس والرئيس فيه الاستغفار، فلهذا السبب قال:{وَاسْتَغْفِرُوهُ}.

إذا علمنا ذلك علمنا إلى ماذا كان يدعو محمد صلى الله عليه وسلم. وقصة الحوار الذي دار بين عتبة بن ربيعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم، مشهور، روى المفسرون منهم: القرطبي، وابن كثير، والبغوي، أن عتبة بن ربيعة قال:( والله لقد سمعت الكهانة والشعر والسحر، وعلمت من ذلك علما لا يخفى علي إن كان كذلك). فقالوا: ائته فحدثه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ( يا محمد أنت خير أم قصي بن كلاب؟ أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا؟ فإن كنت إنما تريد الرياسة عقدنا إليك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كنت تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ قال:[قد فرغت يا أبا الوليد؟] قال: نعم. قال فاسمع مني، فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴿ حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله تعالى:﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾   فوثب عتبة ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم، وناشده الله والرحم ليسكتن، ورجع إلى أهله..فقال لأبي جهل ومن معه: لقد أجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر. خلوا محمدا وشأنه واعتزلوه، فوالله ليكونن لما سمعت من كلامه نبأ، فإن أصابته العرب كفيتموه بأيدي غيركم، وإن كان ملكا أو نبيا كنتم أسعد الناس به، لأن ملكه ملككم وشرفه شرفكم. فقالوا: هيهات سحرك محمد يا أبا الوليد. وقال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم.

وأما كيف كان يدعو صلى الله عليه وسلم، دائما نعود إلى القرآن الكريم، فدعا بما أمره الرب عز وجل:﴿ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾(سورة النحل:125).

بعد أن أمر الله سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. بين له بعد ذلك طريقة دعوة إبراهيم وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمنهجية التي يجب أن يسير على نهجها كل الدعاة [ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن] ولو اتبع الدعاة طريقة محمد عليه الصلاة والسلام في الدعوة وتبليغ الوحي إلى الناس بنفس المنهجية لظل الناس في أعلى مراتب التكريم في العزة والكرامة والمجد، ولكن كثيرا من الدعاة خالفوا واختلفوا، وكثير من العامة لم يستجيبوا فتغربوا وتحاربوا.

ما هي الحكمة؟ الحكمة والْحُكْم صفتان للحكيم. ورد في اللسان:[ والحكمةُ عبارةٌ عن مَعْرِفَةِ أَفْضَلِ الأَشياء بِأَفْضَلِ الْعُلُومِ. وَيُقَالُ لمَنْ يُحْسِنُ دَقَائِقَ الصِّناعات ويُتقنها: حَكِيمٌ، والحُكْم والحِكْمَةُ مِنَ الْعِلْمِ، والحَكِيمُ العالِم وَهو: صَاحِبُ الحِكْمَة. والحُكْمُ: العِلْمُ وَالْفِقْهُ] وهكذا نعلم أن الدعوة بالحكمة معناه دعوة الناس إلى أفضل القيم، وأفضل القيم شعب الإيمان، بأفضل العلوم، وأفضل العلوم علوم القرآن وعلوم السنة. ولذلك أيها الداعية تقرأ من القرآن سورة الإسراء وفيها قول الله تعالى:﴿ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ قال القرطبي: [الإشارة “بذلك” إلى هذه الآداب والقصص والأحكام التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة] فعظمة الحكمة في أن ندعو إلى سبيل الله بالقرآن والسنة، ولكن تَنبه أيها الطالب فإن الدعوة بالقرآن والسنة  تكون بالأدلة التي أجمع العلماء على مرادها.

والنبي صلى الله عليه وسلم مدحه الله جل جلاله في بداية الدعوة بأنه على خلق عظيم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وفي صحيح مسلم عن عائشة: أن خلقه كان القرآن. وقال علي رضي الله عنه وعطية: هو أدب القرآن. ومن الخلق العظيم لم يكن سبابا ولا شتاما ولا مقاطعا، ولا مدابرا، ولم يكن يهجر أحدا ممن يصلون معه، كما يفعل بعض المتنطعين في هذا العصر، ويحسبون أنهم يمثلون سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهم بهجرانهم المؤمنين أبعد ما يكونون عن السنة. وفي مرحلة بناء الدولة في المدينة وصفه ربه عز وجل ومدحه بصفات إمام السياسة الشرعية. قال الله تعالى:﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾(سورة آل عمران:159) روى الترمذي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن]. وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: [ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذي].

قلت: إذا كان كل المسلمين مطالبين بالتخلق بخلق الحبيب صلى الله عليه وسلم، فإن أول المعنيين هم العلماء الدعاة، وأول خلق عظيم يجب أن يتخلقوا به هو: أن يتطاوعوا بينهم وأن لا يختلفوا اختلاف الأعداء. كل خلق أمر به النبي عليه الصلاة والسلام أمرت به الأمة كلها، وكل من يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، يجب أن يلتزم بآداب القرآن والسنة، وأن لا يجادل في الدين عن جهل وبغير حكمة. وفي الموضوع تدبروا هاتين الآيتين:﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره، والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال، فاستقم على امتثال أمر الله. وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال:[قل آمنت بالله ثم استقم] ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ أي استقم أنت وهم، يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك ومن بعده ممن اتبعه من أمته. قال ابن عباس ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب! فقال:[ شيبتني هود وأخواتها].

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …