الرئيسية | قضايا و آراء | اليمين الجزائري المتطرّف!: كل المخلوقات والمنجزات يلزمها عناية ورعاية وإلا فسدت وتلفت أو ماتت../د. علي حليتيم

اليمين الجزائري المتطرّف!: كل المخلوقات والمنجزات يلزمها عناية ورعاية وإلا فسدت وتلفت أو ماتت../د. علي حليتيم

وقد حبا الله مخلوقاته بوسائل العناية وإصلاح الأعطاب فترى بعضها يعرّض نفسه للشمس ليقوى ويصح وترى أخرى تتمرّغ في التراب لتطهر ويفتح التمساح فاه للطيور كي تأخذ ما علق بأضراسه من أعلاق، وأخبرنا علماء الطبيعة أن البيئة لها نظام كامل للتنظيم وهذا هو معنى اسمه تعالى الْقَيُّوم..

لكن العلماء أخبرونا كذلك أن نظام البيئة قد اختل حين غلبت عوامل العدوان عوامل الدفاع والإصلاح وهو ما يعرف بالارتفاع الحراري الذي كان من نتائجه تساقط الثلوج بصحراء عين الصفراء عندنا لعامين متتاليين فيما تغرق مناطق أخرى في الفيضانات والسيول.

والنظام الاجتماعي لا يبعد كثيرا عن نظم البيئة بقوانينه ونظمه ووسائل العدوان والدفاع فيه وهذا التشابه بين النظامين قد اقتُرح منذ زمن النظريات الكبرى في علم الاجتماع ولا يزال يوظّف إلى اليوم..

والوحدة الوطنية خير مثال لهذه النظم التي تبنى وتقوى وتضعف وتهدم أو تزال وعوامل الهدم في مجتمعنا الجزائري معروفة والهادم معروف وهو يعمل وفق مخطط كبير يقع في قلبه الإعلام القائم على التشويه والتجييش وبث الكراهية والقوالب النمطية السلبية وغير ذلك..

أخبرني مسؤول كبير في ولاية غرداية أن كمال فخار وأتباعه كانوا يلبسون لباس العرب ويذهبون إلى مناطق بني مزاب فيحدثون فيها تخريبا حتى يقول الناس إن العرب هم من فعل ذلك..

من حسنات النظم السياسية في الدول المتقدمة أنها تؤطر التيارات الفكرية المختلفة وتبين حجمها بالانتخابات الحرة ومراكز سبر الآراء بين يمين ووسط ويسار ويمين متطرف وغيرها ويجمع الجميع دستور يوحدهم فيما فيه مصلحة البلد ويفرقهم في مطالبهم الخاصة المختلفة. لكن المصيبة في بلدنا أن صوت التفرقة والتمزيق والكراهية هو الذي يسيطر على الإعلام ويدعو إلى الفتنة.

ومنذ أيام عقد المجلس الوطني السنوي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين دورته وأعاد فيه الشيخ الدكتور عبد الرزاق قسوم التأكيد على مواقف الجمعية من قضايا اللغة والتنوع ورفع شعار «كلنا أمازيغ» للدلالة على التحام الجزائريين كلهم في بوتقة واحدة صنعها الدين والأمجاد والآلام المشتركة منذ فجر الإسلام لا يَرَوْن فيما بين أمازيغيتهم ودينهم، ولا أدل على ذلك من عظماء الإسلام الكبار من الأمازيغ  في العلم كيحي بن يحي الليثي البربري المصمودي راوي الموطأ وعكرمة مولى ابن عباس وناقل تفسيره للناس وابن معطي صاحب الألفية في اللغة والقيادة كيوسف بن تاشفين اللمتوني البربري الملثم أمير المسلمين وعَبد المؤمن بن علي القائد العظيم مؤسس دولة الموحدين والعسكرية كطارق بن زياد فاتح الأندلس  وغيرهم آلاف كثيرة لكن الإعلام الذي يريد أن يباعد بين الأمازيغ والدين لا يذكر تاريخهم الإسلامي المجيد طوال أربعة عشر قرنا وكأن هؤلاء الأمازيغ ليسوا مسلمين أو ليسوا أمازيغ. وهكذا وبدل أن تذكر الصحيفة كل هذا قالت إن جمعية العلماء المعروفة بعدائها للأمازيغية تطالب أن تكتب بالحرف العربي!

إن الذين يريدون للأمازيغية أن تكتب بالفرنسية يعلمون أنها سوف تذوب وتنقرض في تلك اللغة المعتدية وأن هدف أتباع فرنسا ليس هو اللغة الأمازيغية بقدر ما هو اتخاذها غطاء للفرنسة والتبعية والتغريب بل والتنصير وتقسيم البلد كذلك.

هل يعقل أن يسيطر اليمين اللغوي الفرونكوفوني المتطرف على القرار اللغوي في بلادنا فيعتمد على ضبابية الرؤية للسيطرة على الموقف وبث الشقاق بين أبناء الوطن الواحد فغدا الشاوية يطالبون بلغتهم وغداً سيطالب التوارڤ بلغتهم ولا غرابة في هذا ولسنا ضد أن يعطى لكل ذي حق حقه لكن التوقيت والظروف هي التي تجعل هذه المطالب ثراء وتنوعا أو شقاقا ونفوراً ولم يعد للدستور هيبته حتى نرجع إليه ولا خطة حكومية في الأفق لحماية الوحدة الوطنية وتعزيزها وتطويرها ونحن نرفض أن يحمّل الإسلام واللغة العربية مسؤولية ما وقع على الأمازيغية من ظلم وتخرج من ذلك فرنسا والفرنسية معززة مكرمة سيدة في البلد.

يعلم الدارسون أنه حين ينهار النظام الاجتماعي فإن صوت العقل يخبو ويخفت ويغدو السفهاء أبطالا والله وحده يعلم أين تسير الأمور..

والخطة المضادة لوقف الانهيار ينبغي أن تبنى على العمل الثقافي والإعلام المضاد الذي عليه أن يكشف الخطة المدبرة ويفضح الماكرين لكن دون أن يقع في شَرَك التهييج وتأجيج العواطف والتفرقة..

كانت خطة حرب الخليج الأولى قائمة على إقناع الرأي العام الدولي أن العراق يحضر شيئا ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل ولو أن العراق قبل الغزو قام بخطة مضادة محكمة لما حصل ما حصل لكنه هو نفسه بغبائه كان جزءا منها..

وكانت خطة الانقلاب في مصر قائمة على تجييش الشعب ضد مرسي إعلاميا واقتصادياً لكن الإخوان والحكومة كانوا سلبيين تجاهها إلى حد القرف حتى وقع الفأس في الرأس ولات ساعة مندم..

إن على الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية ما دام الوضع لا يزال تحت السيطرة لكن ليس إلى وقت طويل والنماذج أمام أعيننا نراها كل يوم، حين غدا اليمني يقتل اليمني والعراقي يقتل العراقي والمصري يغني: «إحنا شعب وانتو شعب» وذلك بإطلاق يد المجتمع المدني في خطة ثقافية شاملة واضحة المعالم يكون عنوانها الأول حماية الثوابت الوطنية التي هي الدين الإسلامي ووحدة الجزائر ترابا وشعبا، وثورة نوفمبر المجيدة ويكون عنوانها الثاني رعاية الاختلاف والتنوع الثقافي واللغوي الجزائري وتشجيعه في إطار الوحدة وجعله عامل غنى وثراء لا عامل تفرقة وضعف ويكون عنوانها الثالث نبذ أصوات الشيطان التي تدعو إلى هدم الثوابت وخراب الوطن.

هل يمكن أن نسكت كما نفعل اليوم على من يعتبر الإسلام احتلالا واستعمارا؟ هل يمكن أن نسكت على من يبني الكنائس في أرض الإسلام؟ هل يمكن أن نسكت على من يعتبر ثورة نوفمبر أعمالا إرهابية؟ هل يمكن أن نسكت على من يريد أن يقسم الجزائر إلى بلدان عديدة؟

إن الجزائر ليست خريطة على ورقة، وإن حدودنا ليست نقاط تفتيش في مراكز العبور، وإن جنسيتنا ليست مجرد جواز سفر وإن وحدتنا ليست بندا في وثيقة بل الأمر أعظم من ذلك وأجل. وحدتنا هي قدس الأقداس التي باركها الله عز وجل، وعجنها الدين والتاريخ والدماء طوال القرون حتى لم نعد عربا ولا أمازيغ بل فقط جزائريين مسلمين. وحين ننظر إلى المستقبل فلا شك أننا سنرى أطيافنا تحيا وتسعد حين تتحد وتموت وتشقى حين تفترق ولن نفترق أبداً بإذن الله عز وجل.

إني أدعو الشباب الجزائري كله إلى تحمل مسؤولياته والتوكل على الله والتجند للحفاظ على وحدة الوطن والشعب كما عهدناها طوال القرون وفضح دعاة الفتنة والشقاق أتباع عدو الأمس الذي يبغينا العنت..

‏‫

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مرحبا بالمطهر

مداني حديبي/ مرحبا بالنبع الصافي والشلال المتدفق الذي يسقي أرواحا جفت وقلوبا عطشت ونفوسا ضمئت: …