الرئيسية | على بصيرة | إحياء عيد يناير، وشرود المواطن الحاير/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

إحياء عيد يناير، وشرود المواطن الحاير/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

 

لا أريد أن أنزل إلى مستوى التفاؤل المفرط، الذي يحاول البعض أن يجرنا إليه، فهم يسوّقون لنا فكرة أنّ جل القضايا المصيرية للجزائر قد سُوّيت، وأنه ما بقي منها إلا ترسيم وتقنين الأمازيغية، وقد تم، وإحياء عيد يناير نجعله عيدا رسميا وقد تحقق.

على أنّ الفاحص المحقق، والدارس المدقق يدرك أنّ القضايا المعلقة في جزائرنا الحبيبة، أخطر وأكبر من أن تُطوّق بمجرد إصلاح عطب لغوي، أو أن تُرقّع بواسطة علاج ثقب اجتماعي.

فأنا من جيل، فتح عينيه، على واقع يكرس يناير، في جميع المناطق الوطنية.

إنّ يناير، هذا كان يصاحَب في بيتنا بإعداد ما يوصف “بالبيطار” وهو الفول المدمس، وبالشخشوخة “الأكلة الوطنية بمنطقتنا، وما يماثلها في باقي المناطق.

إنّ تكريس “يناير” – إذن- قد كان واقعا معيشيا، لم نخضع فيه –آنذاك- لأي مرسوم تنفيذي يلزمنا اتباعه.

كما فتح جيلنا، أذنه، على أغاني سليمان عازم، وعلي الخنشلي، وعيسى الجرموني، وأمثالهم، من الذين كانوا يطربون الناس بلهجاتهم، وعلى طريقتهم الخاصة. وكان ذلك كله يتم باسم التنوع، داخل الوحدة الثقافية الأمازيغية، العربية الإسلامية المتناغمة والمتكاملة.

ودار الزمن دورته، ورحل العهد الاستعماري المظلم، وانقشعت عن أعيننا سحبه الدكناء التي كانت تمطر علينا رشراش “فرّق تسد” ولك أن تتصور، يا قارئي العزيز – إنّ ما كان صغيرا قد تدوّر، وما كان حقيرا قد تطور، على حد تعبير نزار قباني؛ فما كان أغنية قد أصبح أكاديمية، وما كان لهجة صار لغة، وما كان مطلبا ثقافيا قد استحال إلى مطلب سياسي، له علمه، وله حدوده، وله زعماء تحليله وتنظيره.

ويل أمتي مما قد حل بها، فدهاها باسم التنوع اللغوي الشفوي ما دهاها، وها هي المقدمات الخاطئة للأكاديمية البربرية تؤتي أكلها المر، برعاية قانونية، دون إعداد العدة، أو تحصين المواطن ضد ما يحاك له من أزمات وبواطن الشدة.

ستون عاما يا كتاب الهوى

ولم نزلْ في الصفحة الأولى

فهل جاهد زعماء الثورة الجزائرية من أمثال، امحمدي سعيد، وعبان رمضان، وعميروش، وأحمد بن نعمان، وآيت علجت، وكريم بلقاسم، وابن بولعيد، وشيـهاني بشير، وأمثالهم من الأمازيغيين الأحرار، هل كانوا مجاهدين من أجل تمزيق الجزائر بالأمازيغية؟

وأين نضع جهاد ابن معطي الزواوي، وأرزقي الشرفاوي، وأبو يعلي الزواوي، وعبد الرحمن الثعالبي، وغيرهم من فطاحل العربية؟ وأين نضع جهاد هؤلاء في سياق المنظومة السياسية الثقافية الوطنية؟

لقد قلنا، ولازلنا نقول، إنّ الأمازيغية كلمة حق أريد بها باطل عند البعض، ولكنها عند المخلصين من أبناء هذا الوطن، هي تراث ثقافي شامل وكامل؛ فهي ما يتحدث به التارقي الصحراوي، والميزابي الإباضي، والأوراسي الشاوي، والقبايلي الزواوي، إنها تمثّل شلالات أودية وجبال، تصب كلها في النهر الثقافي العظيم الذي ينطلق من تلمسان إلى تمنراست، ومن تيزي وزو إلى تبسة، وتلك هي خصائص عظمة أمتنا، في نبضها، وعرضها، وفرضها.

فلِـمَ يحاول بعض المنسلبين المنفيين النأي بهذا النهر عن مجراه، وتحويله عن مبتغاه؟

لقد نادينا ولازلنا ننادي بأنّ الحضن الدافئ للأمازيغية – في الجزائر- هو حضن العروبة والإسلام، فالمناخ الخصيب لكل اللهجات الأمازيغية، هو الوطن الجزائري بتعددية أعراقه، وتنوع أوراقه.

لذلك، نطالب، بنزع هذه القضية الوطنية المصيرية، من أيدي الساسة المتزلفين، والمتحزبين المتعصبين، ووضعها في أيدي الباحثين الأكاديميين المنصفين.

فالعلماء هم أهل الحل والعقد، لأنهم أحق الناس بتوحيدها وفق مصطلحات ومفاهيم توحّد العقول، وتضع القواعد والحلول، وما غير ذلك بمجد. فالحرف العربي، هو أقرب الحروف إلى لغة “الصاد” الأمازيغية، شقيقة لغة “الضاد” العربية.

إننا لو فعلنا ذلك لقتلنا في المهد كل المؤامرات والمكائد والفخاخ التي تُنصب لوطننا، باسم التنوع اللغوي، الذي لا نجد له أثرا في بلدان الداعين إليه.

نهيب –إذن- بحملة الجهاد الوطني في بلادنا، من مثقفين وعلماء ومجاهدين أن ينتبهـوا إلى أنّ خلف الأكمة ما خلفها، فحذار لأنّ رفع شعار الأمازيغية، وشعار يناير إن هو إلا استغلال لمشاعر الناس البريئة. ونحن مع تأصيل الأمازيغية التي هي ملكنا، وحقّنا جميعا، ونحن مع تعميق معنى يناير، للقضاء على شرود كل مواطن حاير.

إنّ تراث الجزائر الحبيب والخصيب، السياسي، والثقافي، والاقتصادي، والاجتماعي هو إرث في أعناقنا، وأمانة حليب أمهاتنا، وباسم الوفاء للشهداء والعلماء والحكماء والأدباء والأصفياء، مطلوب من كل مواطن، أن يقوم بتحصين الذات ضد وباء فقد المناعة الوطني، أو الثقافي أو الأيديولوجي.

فكونوا حائطا لا صدع فيه

وصفًّا، لا يرقّع بالكسالى

فيا أبناء وطننا! إنّ المؤامرة الكبرى على وطننا، أبعد من أن تحدها لغة، أو تقليد اجتماعي، إنها تستهدف ابتلاع الوطن بأكمله، بفصله عن جذوره، وأصوله.

فالاستعمار لن ينسى للجزائر هزمها له، والصهيونية لن تغفر للجزائريين مواقفهم الشجاعة والجريئة من القدس وفلسطين، ولذلك، فإنّ كل الوسائل ممكنة لزعزعة استقرارها، وتقويض بنيانها.

فلْندع ما يُراد لنا، حتى لا نُؤتى من أعز الأطراف إلينا، ومرحبا بعد ذلك بمطالب الأمازيغية النابعة من قناعتنا، وعراقتنا، وأهلا بيناير، وفبراير، للقضاء على شرود كل مواطن حاير.

عن المحرر

شاهد أيضاً

تجفيف الذاكرة والمنابع واغتيال العقول والمراجع

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ ذلك هو واقع صراعنا المرير، مع …