الرئيسية | في رحاب الشريعة | فتاوى | الفتوى رقم: 246/ محمد مكركب

الفتوى رقم: 246/ محمد مكركب

الموضوع: توبة المختلس، وكيف يَرُدُّ المال الذي اختلسه.

قال السائل: كان أمين مال في مؤسسة عمومية، وبحكم منصبه كان يزور ويقتطع من الفواتير والمنح والمشاريع، ومن الصندوق أحيانا، وهذا منذ عشرين سنة، والآن استيقظ ضميره، وتاب إلى الله تعالى، وكانت قيمة المال الذي اختلسه يقدر بـ: (مائة مليون سنتيما جزائريا). قال: وتصدق بنصف ذلك المبلغ لصالح بناء مسجد، وبقي نصف المبلغ فماذا يفعل، حيث سأل إماما وقال له: لايصح أن تنفق هذا المال في المسجد. قال: كيف يمكنني تبرئة ذمتي؟

الجــــــواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.

أولا: يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [النساء: 29]  ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188]. وباب التوبة مفتوح لكل التائبين بشروط التوبة الأربعة:

1ـ الإقلاع عن المعصية: فإن الموظفين الذي يختلسون المال العام أو مال العمال مثلهم، أو يأكلون الرشوة، فعمل هذا يعتبر خيانة وجريمة، والمختلسون لا يبارك الله لهم في كل أحوالهم. 2ـ العزم على عدم الرجوع للمعصية.

3ـ الندم والبكاء والدعاء والاستغفار والتصدق، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

4ـ رد الحقوق إلى أصحابها: وهذا هو الذي سأل عنه السائل.

والله تعالى أعلم.

ثانيا: من سرق أو اختلس مالا، وتاب فلا تكتمل توبته (والله تعالى أعلم) حتى يرد ذلك المال إلى المكان الذي سرقه منه، أو إلى الشخص أو الأشخاص الذين أخذ مالهم، وأن يرده لهم بالتمام والكمال، فإن لم يجدهم يعطيه لورثتهم، فإن لم يجد الورثة يعطيه لذوي رحمهم، ويتصدق بالثلث باسم صاحبه، أي لا يتصدق باسم صاحب المال إلا إذا كان قد توفي ولم يجد الورثة، ووجد ذوي رحمه فقط.

والله تعالى أعلم.

ثالثا: أما إذا اختلس المال من مؤسسة عمومية فإنه يرده إلى حساب تلك المؤسسة بعينها، أو إلى الخزينة العمومية.بطريقة تؤكد أن المال رجع حقا إلى خزانة المال العام، ولا يتهاون في ذلك.

والله تعالى أعلم.

رابعا: أن الخيانة صفة من صفات المنافقين والعياذ بالله تعالى، فمن خصال المنافق أنه إذا أؤتمن خان. فكيف بهذا الموظف الذي تكلفه الأمة بحفظ الأمانة ثم يخونها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [سورة الأنفال:27].

هل سمعت هذا الحديث يا من سولت لك نفسك أن تمد يدك إلى المال الحرام، فإنك إنما تمدها للنار وأنت لا تدري. فعن خولة الأنصارية رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: [إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ]. (البخاري.كتاب الخمس.3118) [يتخوضون] من الخوض، وهو المشي في الماء وتحريكه. والمراد هنا: التخليط في المال وتحصيله من غير وجهه كيفما أمكن.

والله تعالى أعلم.

خامسا: بالإضافة إلى العذاب الذي يتلقاه السارق ومختلس المال العام أو من غيره من الحرام، فإن السارق والمختلس يفتقد قيمة شخصيته هو مع نفسه، ويصبح محتقرا، منهزما داخليا، لأنه يعلم أن أجزاء من لحمه نبتت من السحت، أو أنه اشترى سيارة من حرام، فكيف يستلذ ركوبها وهي من النار؟ أو ربما أطعم أولاده أو زوجته من الحرام؟ أقول للأخ السائل ابك على خطيئتك، وتصدق واستغفر ثم استغفر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:17].

والله تعالى أعلم، وهو العليم الخبير.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

احتكار الخدمات، والمبالغة في غـــلاء أجرتها مخالف للقيم الإنسانية

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ قالت السائلة (د.ج) (وهي طبيبة من تونس): من بين المرضى …