الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | حادثة للاعتبار…!!/ محمد الصالح الصديق

حادثة للاعتبار…!!/ محمد الصالح الصديق

كان يتردد عليّ في أواخر ثمانينيات القرن الماضي مستشيرا أو مستعيرا لبعض الكتب النادرة هو في حاجة إليها في عمل فكري كان يمارسه عن حياة الطلبة البجائيين الذين تخرجوا من جامع الزيتونة قديما وحديثا، وكنت أرى فيه شابا ذكي الفؤاد، سليم الإدراك، قويم السلوك، صادق الوعد.

ثم فجأة اختفى عني فلم يعد يزرني مستعيرا ولا مستشيرا…! وبمرور الأيام والأعوام، خرج من ذاكرتي، ولم يعد يمر بها إلا لماما حينما أتذكر شيئا يرتبط به، كطلبة بجاية الذين كان يهتم بهم، والكتب التي كان يستعيرها مني.

وفي مساء يوم الاثنين 16سبتمبر 2013م زارني في بيتي…! ومن عادتي أفضل الزيارات بالموعد لما يكتنفني من أعمال، ولكن إذا شرفت الواحد بلا موعد فإني أستقبله بكل ما يليق به من ترحيب وحفاوة. ودخل الرجل في حال من يعرفني جيدا، واحتواني بين ذراعيه في تلهف وشوق، وهو يقول: أنا فلان يا أستاذ؟ يبدو أنك نسيتني؟

تأملته جيدا فإذا هو شخص آخر غير الذي عرفته، كان شابا فصار شيخا، وكان أسود الشعر فأصبح أبيضه، وكان يفيض حماسة وحيوية، فصار دانيا ضعيفا، وكان صوته قويا يطنطن ويدندن…! فصار فاترا متهالكا.

فبالرغم من أنني لم أظهر له أي استنكار لحال من أحواله، وهو ما يوجبه الذوق، والتعامل الأدبي الحضاري، فإنه ما كاد يستوي على المقعد حتى انطلق يقول في لهجة حزينة:

لاشك أنك تتساءل عن سبب غيبتي عنك هذه السنوات العديدة، وأنا الذي كان يتعهدك بالزيارة كل أسبوع تقريبا مستشيرا أو مستعيرا، وسأذكر لك السبب وأعتقد أنه سيجعلك تهتم به وتكتب عنه في بعض كتبك.

فقلت له: تفضل وأنا مصغ بكل تلهف وشوق، وإذا كان ذلك يفيد القارئ في آجله أو عاجله اهتممنا به وكتبنا عنه.

فحلب ريقه، وزم على شفتيه، وهز رأسه ثم انطلق يقول في صوت يقوى ويضعف:

أحببتها بجمالها الفتان، وأخلاقها العالية، وكانت تهوى طائفة من الرجال يختلفون ثقافة، ومكانة وعملا، ولكني حظيت بها –ربما لعلاقة الصداقة بين والدي ووالدها- وقضيت معها سنوات هي الربيع في عمري، حب محض، وبر خالص، وعيش هادئ، وراحة نفسية، وانسجام وتفاهم وتآلف.

ثم رزقنا الله تعالى طفلا، وكان المفروض المتوقع أن يزيد الربيع جمالا، والحب قوة وتأججا، والمعاشرة قوة وتلاحما، ولكنه –مع الأسف الشديد- لم يكد يشرف بمقدمه حتى تحولت الحياة إلى جحيم، وصار البيت ينعق فيه الغراب بعد أن كان تغرد فيه البلابل.

فقلت للرجل في تعجب ودهشة: ولكن ما شأن هذا الطفل في كل هذا؟

فقال –وهو يصعد زفرة طويلة حرّى: شأنه الوحيد أنه أسود وأنا وأمه أبيضان…!

ثم إن الجهل والشيطان عملا عملهما فطلقتها…ولم أعلم أن أحد أجدادها الذي نزع إليه الولد كان أسودا إلا بعد فوات الأوان، والمرأة الآن متزوجة ولها ثلاثة أولاد.

أما أنا فأعيش كما ترى في حالة من الهم والنكد لا تطاق، كأنها عقاب لي على اتهامي للمرأة في شرفها فهل من متعظ؟

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الكتابة وضوح وبيان

بقلم: محمد الصالح الصديق   جاءتني كاتبة بكتاب أنجزته وأعدته للطبع، وقالت أنها تريد أن …