الرئيسية | اتجاهات | عهــــــــــــد…. !!/ محمد الحسن أكيلال

عهــــــــــــد…. !!/ محمد الحسن أكيلال

لا شك أن العالم الآن يعرف مدى الظلم الذي ألحقه بالشعب الفلسطيني بقرار الأمم المتحدة عام 1948 الذي اتخذته نيابة عنه، وقبل هذا العالم يجب على دولة المملكة المتحدة باسم الشعب البريطاني أن يعرف أيضا أن ما فعلته عام 1917 ثم عام 1924 وعام 1936 وعام 1956، كل ذلك كان إجراما في حق الشعب الفلسطيني الذي سبق له أن امتحن بالاستعمار والاحتلال في فترات كثير من التاريخ، منذ ما قبل الميلاد إلى ما بعده، ومع ذلك صمد وصبر وقاوم حتى جاءه الفرج وانزاح ذلك الكابوس على صدره.

في هذه المرة أعلنت الأرحام الفلسطينية على الملإ أنها باعتبارها نبتت في هذه الأرض منذ بداية الخلق، قبل مرور سيدنا إبراهيم عليه السلام عليها للدعوة لدين الحق والزواج بأم إسحاق، كانت النساء الفلسطينيات المتزوجات برجال فلسطين يلدن، وقد ولدن من وصفهم الله عز وجل في كتابه العزيز على لسان اليهود بأنهم قوم جبارون؛ أحد هذه الأرحام الأزلية الأبدية تشكلت فيه طفلة اسمها “عهد التميمي” وبالصدفة، يا للصدفة سميت “عهد” لتكون عهدا لشعبها ووعدا بالتحرير من الصهاينة.

صورة عهد وهي تضرب بيديها العاريتين الجنود الصهاينة وهم يتزاحمون حولها لإمساكها للزج بها في السجن تغني عن كل تعليق، من الأصدقاء أو الأعداء، إنها تؤكد أن جيلها والأجيال القادمة لن تستكين ولن تخضع ولن ترعوي إلا بعد طرد آخر جندي صهيوني من أرضها العزيزة المقدسة، وما على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ومن صوت معها أو امتنع عن التصويت في الأمم المتحدة إلا مراجعة مواقفهم وأفكارهم وخرافاتهم التلموذية، والإذعان للحق والمنطق السليم اللذين لاشك سيعلوان ذات يوم رضى أو كرها.

إن عهد وهي تلطم وجوه الجنود الصهاينة، فهي في قرارة نفسها تلطم وجه الرئيس الأمريكي “ترامب” ووجوه كل البيض العنصريين الأمريكيين الإنجليكانيين الذين ساندوه في قراره وتقول لهم: إن ما فعلتم بالهنود الحمر في إبادتهم والحل محلهم في أرضهم لن يحدث في فلسطين، وإن هجومها بيديها العارية ما هو إلا مقدمة لهجوم أشرس، لكن ليس بالأيدي العارية، بل بالأيدي الحاملة للسلاح.

في المرة القادمة، والكل يعلم مدى جبن الجنود الصهاينة أمام السلاح حتى ولو كان سكين مطبخ مثلما حدث خلال الشهور الماضية.

الفتاة “عهد” الوعد أرعدت وأزبدت وزمجرت في وجه جنود الاحتلال لتقول أيضا للحكام العرب المعتدلين الذين لم تخف مساعيهم للتقرب من حكام تل أبيب خلال السنوات الماضية، لتقول لهؤلاء: خابت مساعيكم وانكشفت عمالتكم لكل أبناء الأمة الذين ملوا منكم وفسادكم وعسفكم لشعوبكم وأن الأوان لانفجار البركان في وجوهكم لتدفنكم حممه وسيوله الحارقة.

إنها نبوءة صادقة من طفلة بريئة بدأت مقاومتها منذ نعومة أظافرها للاحتلال، نبوءة بنهاية مسار الاستسلام، مسار “أوسلو” مسار العبث بمشاعر الشعب الفلسطيني الذي سجن بعضه في “رام الله” وبعضه في “قطاع غزة” وبعضه في المخيمات وفي “الشتات” وبداية العودة إلى مسار الكفاح المسلح السبيل الوحيد لنيل الحقوق واسترجاع الحرية والسيادة.

أمام الأمم المتحدة الآن خياران، إما الانتفاضة في وجه الولايات المتحدة الأمريكية التي ثبت الآن أنها هي التي تقف حجر عثرت في وجه إصلاحها وإصلاح النظام العالمي برمته لتفتح أبواب مجلس الأمن الدولي لدول أخرى تمثل شعوبا أخرى وقارات أخرى في حاجة ماسة إلى ذلك التمثيل وإلغاء حق النقض الذي ثبت أنه يستعمل في كثير من المرات لحماية الاستعمار والهيمنة والاستغلال ونهب ثروات شعوب دون وجه حق؛ أو إعلان أغلبية دول العالم عن حلها نهائيا كي لا تكون هيئة تحمي فقط مصالح الدول الامبريالية والصهيونية العالمية.

للوصول إلى هذا الهدف أن تتحرك أغلبية دول العالم التي صوتت ضد قرار “ترمب” لاستعادة منظمة دول عدم الانحياز وإعادة تنظيمها وتكييفها مع التحولات السياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم حاليا لتستعيد زمام المبادرة وتقف سدا منيعا أمام الهجمة الشرسة للاستعمار الجديد وقوى اليمين المتطرف في أمريكا وأوروبا باعتبارها القوى التي كانت في الماضي تدفع بالجيوش خارج أوطانها للاستيلاء على أراضي شعوب ضعيفة لم يترك لها النظام العالمي الرأسمالي فرصة للنهوض والتطور واكتساب المعرفة والتكنولوجيا أهم أسباب وعوامل التقدم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

لقد ثبت الآن أن القضية الفلسطينية هي جوهر الصراعات والحروب وبؤر التوتر في كثير من بلدان العالم الإسلامي وهي السبيل الوحيد لاستتباب السلم والأمن في العالم، لأن الاحتلال الصهيوني كان ومازال وسيبقى أهم أسباب اشتعال وتأجيج هذه الصراعات والفتن والحروب بشهادة كثير من المفكرين السياسيين الغربيين الكبار، والدول الكبرى التي اشتركت في تأسيس هذه الدولة تعرف هذا جيدا، وهي وإن صوتت في الأمم المتحدة ضد قرار “ترمب” فلحمايتها بالأسلوب القديم المتبع منذ سبعين سنة، أسلوب إلهاء الشعب الفلسطيني بالوعود الكاذبة والأوهام الكثيرة والمختلفة لتمكينها من تحقيق أهدافها في احتلال كل الأراضي الفلسطينية وفرض الأمر الواقع بإكراه الشعب الفلسطيني على قبول حلول أخرى في أراض أخرى خارج وطنه.

“عهد” الوعد أجابت كل أولئك وأولئك من المرجفين من العرب والغرب أن شعبها الذي نبت في أرضها لا يمكن استئصاله من فلسطين مهما بلغ العدو وحلفاؤه من العتو والجبروت المادي لأن قوة الروح المتأصلة في شعبها لا تضاهيها قوة أخرى، والمدافع عن أرضه وعرضه ليس كمن يدافع عن وكيله، والمرتزق بالحرب ليس كالمكافح من أجل قضية، وجيش إسرائيل ثبت أنه جيش مرتزقة، وهو حين يجد الجد لا يستطيع الوقوف أمام شاب فلسطيني يحمل حجرا أو سكين مطبخ.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

هــــذا هــو البيـــت السعيـــد

عبد العزيز كحيل/ عند المسلمين الملتزمين بدينهم ليس البيت مجرد مأوى يتلاقى فيه أفراده للطعام …