الرئيسية | في رحاب الشريعة | فتاوى | الفتوى رقم:245/ محمد مكركب

الفتوى رقم:245/ محمد مكركب

الموضوع: تنمية مال اليتيم باستثماره في مشروع تجاري.

امرأة تقول: توفي زوجها وترك أولادا ومبلغا من المال، تقول بتعبيرها (مبلغا ليس بالمعتبر)، فهل يجوز لها أن تستثمر ذلك المال في مشروع تجاري أو صناعي؟ تقول: إن حفظت لهم المبلغ كما هو حتى يكبروا تتدنى قيمته ويقل؟ وهل يجب قسمة المبلغ عليهم؟ أم يجوز أن يُستثمر لهم بالشراكة؟

الجـــــواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.

أولا: قال الله تعالى:﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً﴾[النساء:2]. وقال الله تعالى:﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾[النساء:11].

وَاليَتيم هو من لم يبلغِ الحُلُمَ، إذْ لَا يُتْمَ مَعَ الْبُلُوغِ. قال القرطبي:(واليتم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الأم. وحكى الماوردي أن اليتيم يقال في بني آدم في فقد الأم، والأول هو المعروف. وأصله الانفراد، يقال: صبي يتيم، أي منفرد من أبيه)[2/14].

فللسّائلة أن تنفق بالقصد من هذا المال عليهم وعلى نفسها بالمعروف إن لم يكن لديها “مورد خاص” بها، ونقول لها: لك أن تنمي لهم هذا الميراث في الحلال. فإذا بلغوا الحلم، وآنست منهم رشدا، فاعملي بما حكم الله جل جلاله. قال سبحانه وتعالى:﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾[النساء:6]؛ وعموما فإن حد البلوغ الذي تلزم به الفرائض والحدود خمس عشرة سنة،  فمن لم تظهر عليه علامات البلوغ الجسدية لا يحكم ببلوغه إلى (19 سنة).

والله تعالى أعلم.

ثانيا: وهل إذا تحقق البلوغ تدفع لليتامى أموالهم وجوبا؟ قال الله تعالى:﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ [النساء:6]، قال الحسن وقتادة وغيرهما:﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ أي: صلاحا في العقل والدين. وقال ابن عباس والسدي والثوري: صلاحا في العقل وحفظ المال. وقال سعيد بن جبير والشعبي: إن الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ رشده، فلا يدفع إلى اليتيم ماله حتى يؤنس منه رشده. ويُجَرَّبُ اليتيم بعد البلوغ بجزء من المال، فإن رآه ولي أمره أحسن التصرف دفع له ما بقي، وإن رآه أساء، أمسك عنه حتى يرشد. قال الله تبارك وتعالى:﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [النساء:5].

والله تعالى أعلم.

ثالثا: ولما كان المال الموروث حسب السائلة قليلا بقولها (مبلغ غير معتبر) فلها أن تستثمره لهم مجموعا دون تقسيمه، باسمهم جميعا في شراكة؛ فإذا بلغوا الرشد فهم أحق بأموالهم إن شاءوا استمروا شركاء في أخوة، ولكن بتوثيق مفصل واضح، أو يقتسمون ويأخذ كل ذي حق حقه، وينميه وحده أو يصرفه، ويبقى الوصي أو الولي مجرد مستشار ناصح بالمعروف.

والله تعالى أعلم.

رابعا: وأؤكد على ضرورة التوثيق، عند قسمة التركة، وعند بداية الشركة في كل الأحوال، وأن تكون كل الشروط مبينة مفصلة، وعند حل الشركة إذا حدث وإن اتفق الشركاء على إلغاء الشركة بينهم، فلا يُكْتَفَى في المعاملات المالية بالاتفاق الشفوي. عملا بقول الله تعالى:﴿إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:282]. وحقيقة الدَّيْن عبارة عن كل معاملة مالية يكون أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين في لغة التداين ما كان حاضرا، والدَّيْن ما كان غائبا، والأمر بالكتابة عام في كل معاملة، وأن تكون الكتابة بكل ضوابطها: الجهة الرسمية للتوثيق، والتاريخ بدقة، والإشهاد، وتوقيع المعنيين، والشهود فالكتابة بغير شهود وبغير تسجيل في مصالح التوثيق لا تكون حجة، وإيداع الوثيقة في دار المحكمة والجهات المعنية، ولا حجة للأطراف بغير ما هو مكتوب.

والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

لاتفاضل بين الناس إلا بالتقوى

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الفتوى رقم: 492 ***السؤال*** قال السائل: (ك. ع. د) ليبيا. …