الرئيسية | قضايا و آراء | لماذا يكرهون البخاري؟/علي حليتيم

لماذا يكرهون البخاري؟/علي حليتيم

لا يشك من عمّر دهراً مثلي أن كل النزاعات الفكرية التي تحصل هنا وهناك في الشرق والغرب لابد أن تحط الرحال في الجزائر ولو بعد حين وأجل.

 

عاشت الجامعة ثم الثانوية الجزائرية في ثمانينيات القرن الماضي على وقع الصدامات الفكرية بين حاملي التيار الشيوعي بكل مكوناته والتيار الإسلامي الناشئ –آنذاك- حين كنا نسارع إلى المصادر القليلة العزيزة من المكتبة الإسلامية ككتاب “حوار مع صديقي الملحد” لمصطفى محمود، و”اقتصادنا” لباقر الصدر، و”حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون” لعبد المنعم خفاجي” و”شبهات حول الإسلام” لمحمد قطب، وغيرها، فتتداول عشرات الأيدي النسخة الواحدة، وقد يصل الأمر إلى حد كتابتها باليد كاملة لأن النسخ كان قليلا نادراً!

 

والحق أن تلك كانت حقبة ذهبية للصحوة الإسلامية الناشئة، مكنتها من تكوين منتسبيها في الميدان حين اضطرتهم تحت ضغط التحدي إلى البحث والمطالعة والتعرف العميق على الفكر الآخر شيوعيا أو علمانيا أو غيره، لكنها -للأسف الشديد- لم تتوج بآثار مكتوبة كثيرة نظرا للظرف السياسي السائد عندنا بعكس مصر مثلا التي مرّت بالمرحلة نفسها، فأنتجت تراثا فكريا كبيرا إسلاميا وعلمانيا نشأ في ظل الحوار لا يزال إلى اليوم مرجعا للباحثين وشاهدا على ذلك الزمن الجميل.

أما العلمانيون في الجزائر فإنه يعسر الحوار معهم لاعتبارات كثيرة منها: رفضهم للحوار ابتداء وإصرارهم على الاستفراد دون غيرهم بوسائل الإعلام، ومنها غياب طرح علماني واضح، فجملة الكتابات العلمانية في الجزائر إنما هي هوامش على المتن الغربي شرحا ودعاية وتفسيراً، وهوامش أخرى على المتن الإسلامي نقداً وتهجماً وتشويها، ومنها ضعفهم الكبير في الإسلاميات واعتمادهم في أطروحاتهم فقط على ما ينتجه الفكر العلماني العربي في الشرق والغرب كمحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وعابد الجابري وغيرهم، ومنها فرونكوفونيتهم المتطرفة لغة وفكراً، فأبعدتهم اللغة عن الدراسات الإسلامية، وبث فيهم الفكر العلماني الفرنسي كره الدين والنفور منه عكس العلمانية الأنجلوسكسونية التي هي أقل غلواً وتطرفاً.

لكن الحملة على صحيح البخاري تقودها هذه المرة دول وحكومات تقوم على تمويل مراكز وباحثين كمركز “مؤمنون بلا حدود” في المغرب الذي تموله الإمارات العربية المتحدة، الغرض منها إسقاط صحيح البخاري بالكلية من منطلق أنهم أدركوا أن الهجوم على القرآن دونه عقبات ومطبات عكس صحيح البخاري الذي يجمع ثنائية جواز النقد، فهو ليس معصوما ولم يحرّم العلماء ردّ ما فيه من جهة وهو من جهة أخرى ” أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل”.

 

لكن هؤلاء الناقدون يفتقرون إلى العلمية والموضوعية والطرح العلمي، ولا يملكون أية منهجية في تناولهم لهذا الكتاب العظيم. كيف يعقل أن يشكك باحث في صحة صحيح البخاري بسبب أن النسخ التي كتبها البخاري بيده لم تعد موجودة، وأن أقدم نسخة منه تعود إلى 250 سنة بعد وفاة البخاري؟ أين مخطوطات أرسطو وتوما الإكويني وأوغسطين وغيرهم وغيرهم؟ إن البخاري يقين حين يرتقي هؤلاء إلى مرتبة الشك! إننا بهذه الطريقة سنشكك في التراث البشري كله بل في وجود هؤلاء الأوائل أصلا، وحين نقارن بين تراثنا وتراث الآخرين فإنه يبرز جليا البون الهائل بين التراث الإسلامي القائم على السند وغيره من التراث الذي لا أصل ولا سند له.

ومن عوراتهم المنهجية أنهم لا يُفرّقون في تناولهم إبستيميولوجيا بين نقد الناقل ونقد القائل، فحين يروي البخاري حديث تكليم موسى للحجر، فإن البخاري هو الناقل والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل، لكنهم يسارعون بالقول إن النبي لا يمكن أن يقول هذا تخرّصا وهذيانا. نحن لا يمكننا أن نكلم الأحجار لكن الأنبياء يفعلون ومن ينكر هذا فعليه أن ينكر كل الخوارق والمعجزات الواردة في السنة والقرآن وإلا وقع في التناقض. ومقصودنا في هذه النقطة أن نبين أن على ناقد النص أن يُبين موقفه منه إن كان مؤمنا به أم لا، لأن الإيمان بهذه الخوارق متفرع عن الإيمان برسالة الرسل فإن كان يُؤْمِن بهم كرسل من عند الله فإنه سيصدقهم في الآيات التي يجريها الله عز وجل على أيديهم خرقا للنواميس وكرامة لرسله، ومن كان لا يُؤْمِن بهم كرسل من عند الله فإن له الحق أن ينكر كل الخوارق التي ذكرت في القرآن والسنة، وهذه الظاهرة كانت موجودة منذ القدم في تاريخ الإسلام وتسمى الزندقة.

والحق أن جل الناقدين لصحيح البخاري ملحدون لا يؤمنون برسالة نبي الإسلام لكنهم منافقون لا يريدون أن يعلنوا ذلك حتى لا يفسد عليهم إعلانهم الغايات التي كُلّفوا بها ويقبضون عليها ثمنا قليلا.

ومن عوراتهم المنهجية الخطيرة أنهم لا يقرون أن هذه النقاشات موجودة في الثقافة الإسلامية وقديمة قدم الإسلام نفسه تجدها في الكتب القديمة كتأويل “مختلف الحديث لابن قتيبة”، والكتب الحديثة ككتاب “شبهات حول القرآن” لمحمد عمارة وغيرها، وتجد فيما يخص صحيح البخاري نقاشاتها في كافة شروح الصحيح عكس كذبهم على المسلمين الذين يرمونهم بالجهل المقدس، بل وتجد هذه الحوارات عند الصحابة أنفسهم كقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حين بلغها أن عبد الله بن عمر يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث « إن الميت ليعذب ببكاء أهله » فقالت: وهل أبو عبد الرحمن لأنها وجدت أن الحديث يخالف الأصل الإسلامي الكبير في أن كل إنسان مسؤول عن عمله لا عن عمل غيره كما في قوله تعالى:{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} فقال العلماء إن هذا الحديث ليس على ظاهره فاتجه فريق إلى أن المقصود ليتألم لبكائهم وقال آخرون يعذب إذا لم يوصهم بالصبر وعدم مجاوزة الحد وقالوا غير ذلك.

فإذا وضح هذا المثال فإن كثيرا من الآيات يوهم ظاهرها خلاف أصل من أصول الشريعة أو البداهة العقلية، وقد ناقشها العلماء منذ القديم، وكانت دوما مصدر ثراء فكري وغنى للمكتبة الإسلامية، ونشأت في إثرها المدارس الإسلامية ذات الاتجاهات العقلية أو الظاهرية، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الشهير “موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول” قرر فيه استحالة أن يتناقض النص الصحيح مع العقل السليم لأنهما صادران كلاهما عن الله عز وجل.

مغالطة أخرى للعلمانيين فيما يخص صحيح البخاري وهي أنهم لا يعترفون له أنه بلغ قمة القمم في الأمانة العلمية ووثوقية النقل، فلم يعط لنفسه الحق في التصرف في الأحاديث واختيار ما يناسب ذوقه وإسقاط ما يراه مخالفا في ظاهره للإسلام والعقل وكأنه يقول لنا: إن مهمتي أنا هي النقل وتبليغكم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كما بلغتني وعليكم أنتم النظر والتمحيص! لكن العلمانيين لا يعترفون لعلماء الإسلام بالأمانة ولا يفهمون المنهجية وطريقة بناء العلوم والمعارف.

إن قوة العلماني تبدو فقط عندما يكون وحده على البلاطوهات فلا يجد من يقول له كذبت حين يكذب وحرّفت حين يحرّف وتأدب حين يسيء الأدب وهو لم يبلغ من النزاهة إلى درجة أن يقول: هاتوا المخالف كي يرد علي ما أقول لأنه يعلم أنه يوم يطلب ذلك لن يستدعيه أحد.

إن الإسلام لا يخشى أبدا الحوار والنقاش، وفي سوق الحرية لن تكون بضاعة الإسلام كاسدة كما يقول الأستاذ راشد الغنوشي.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فلسطيــــــن محـــــور الصـــــراع

أ. محمد الحسن أكيلال/ الولايات المتحدة مصرة على الهيمنة رغم كل ما لحق بالولايات المتحدة …