الرئيسية | قضايا و آراء | بلقاسم بن سديرة والدراسات البربرية/ سيفاوي عبد اللطيف

بلقاسم بن سديرة والدراسات البربرية/ سيفاوي عبد اللطيف

من الناحية التاريخية ، لعل بلقاسم بن سديرة مع الهاشمي بن سي لونيس من الأوائل الذين وجهوا نحو الدراسات البربرية ،فا بن سديرة إضافة إلى ذلك تولى التدريس في كل من مدرسة النورمال ومدرسة الأداب، اللتين كان لهما الدور الهام في بعث الدراسات البربرية .

والوقوف عند هذه الشخصية وأعمالها ومواقفها، يفيدنا في استحضار الظروف التي مهدت وساهمت في تكوين نخبة تتبنى طرح النزعة البربرية.

وإن كنا لم نعثر فيما قرأنا من يعتبر بن سديرة ممن تبنوا الأطروحة الاستعمارية القائمة  على النزعة البربرية أو من روادها كما هو الشأن لزميله سعيد بوليفة ،فإنّ بن سديرة وخاصة من خلال كتابه “مهمة في بلاد القبائل حول اللهجات البربرية وإدماج الأهالي ” يقدم لنا معطيات مهمة عن الأجواء التي سمحت بإحداث العدوى، وعن طبيعة الأفكار التي كانت تطرح والسياسات التي كانت ترسم وكيف كانت النخبة تتفاعل معها في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر.

ولست أدري لماذا شهادة بن سديرة لم تُول لها الأهمية التي تستحقها ولم تخضع أعماله للتحليل والدراسة مع العلم أنّ شهادات من هذا النوع نادرة للغاية أي شهادة مكتوبة من جزائري وفي تلك الحقبة بالذات.

بن سديرة يعتبر من المواهب القليلة التي ظهرت إبان الاحتلال الفرنسي ولكن التوجيه الرسمي جعله في خدمة الإستشراق  حسب الدكتور أبو القاسم سعد الله.

ولد ببسكرة أوائل الأربعينات سنة 1845و توفى سنة 1901 وعائلته من أصول شبه الجزيرة العربية جاءت مع الفاتحين وحفظ القرآن الكريم، وتعلم العربية على يد برسنييه وهوداس اللذين سبقاه في الإشراف على الكرسي العام في اللغة العربية. تخرج من المعهد الإمبريالي سنة 1863،  ثم واصل دراسته بفرساي الفرنسية لمدة سنتين بنفقة كاملة من وزير الحربية الذي يشرف على شؤون الجزائر.

وتولى التدريس بمدرسة النورمال كأستاذ في اللغة العربية الدارجة سنة 1869 بعد أن عين في 1866 كمراقب بنفس المدرسة ،وكان أيضا أستاذ الشريعة بالمدرسة الشرعية بالجزائر ،و أخد الجنسية الفرنسية في تلك الفترة حسب ما جاء بقلمه ، وتزوج بفرنسية سنة  1871 كما تولى التدريس بمدرسة الآداب ويكلف بتدريس اللغة البربرية سنة 1884 خلفا لـ سي الهاشمي بن سي لونيس المستقيل وذلك كأستاذ محاضر للغة العربية مكلف بدرس اللغة البربرية و تعرف بها عن قرب بكل من ماسكري ورني باصييه اللذين يذكرهما في كتابه .

وقد ألف بن سديرة عدة كتب حول العربية الدارجة كما ألف كتابا حول العربية الفصحى ،و بحكم تشجيع الاستعمار الدارجة على حساب اللغة العربية الفصحى فإنّ التأليف حول الدارجة أخذ حصة الأسد .

ولقد كلف من طرف تيرمان سنة 1886 بدراسة ميدانية بمنطقة القبائل وبجاية لجمع المعطيات حول اللهجات البربرية، وعلى إثرها نشر عمله تحت عنوان “مهمة في بلاد القبائل حول اللهجات البربرية وإدماج الأهالي “.

ومن بين المسائل التي تستشف من خلال كتابه هذا ، ذلك الاهتمام الكبير والواضح التي حظيت به الدراسات البربرية واللهجات العامية واللغة البربرية من جهة والاهتمام الخاص الذي عرفته منطقة القبائل وتمييزها عن باقي مناطق الوطن بسياسة خاصة بها .

ويبدو أنّ ابن سديرة كان لديه بعض التحفظات على تلك السياسة وخاصة في مجال التعليم، من حيث المعايير المعتمدة في توزيع المدارس وموقفها من  الدين الإسلامي وتعليم اللغة العربية، ومسألة تعليم المرأة، وفيما يخص الاختلاف الموجود في الكتب المعتمدة بين ما هو موجه للقبائل وما هو موجه للعرب.

كما يظهر أنّه كان حريصا على ربط اللغة القبائلية والثقافة البربرية بالثقافة العربية والإسلامية رغم أنّه لا يخفي تعلقه بالثقافة واللغة الفرنسية.

ومما يجدر الإشارة إليه شهادته بأنّ منطقة القبائل كان بها اهتمام بالعلوم الشرعية الإسلامية وإقبال عليها، وأنّ سكانها على مستوى واحد من العمل والكدح بالمقارنة مع سكان منطقة القبائل الكبرى إلاّ أنّها لا تلقى نفس الاهتمام .

بالنسبة إلى ذلك الاهتمام الكبير والواضح التي منيت به الدراسات البربرية واللهجات العامية واللغة البربرية يحدثنا بن سديرة عن منحة تعلم اللغة البربرية التي تمّ العمل بها بداية الثمانينات من القرن التاسع عشر وكان من بين من اجتازها بنجاح موتيلنسكي المترجم بميزاب وشير مفتش التعليم الأهلي، ويذكر ماسكري ويلقيه بعالمنا الكبيرمدير مدرسة الآداب الذي في كتاب صدر له حديثا دعا فيه الأشخاص الذين يهتمون بمستقبل هؤلاء السكان أن لا تهمل أي دراسة تسمح  بتسليط الضوء على أعرافهم ونظامهم الاجتماعي وهو يقصد كتابه تكوين المدن عند السكان المتمدنين في الجزائر،  كما يذكر زميله بالمدرسة رينيه باصييه منوها بسعة علمه واستحقاقه في مجال علم اللغة وفقهها .

وعن الاهتمام الخاص الذي عرفته منطقة القبائل الكبرى، يذكر وينوه بجهود سيدة فرنسية بالمنطقة السيدة Gorde قورد التي تتحكم في اللغة البربرية وتتحدث بها وكيف استطاعت كسب ثقة الأمهات القبائليات بتقديم خدمات كبيرة لهنّ،  ويذكر مدرسة تادرت أوفلا التي أنشأها صباتييه الذي على حد تعبير بن سديرة فعل الكثير من أجل تعليم اللغة الفرنسية بمنطقة القبائل، ويذكر السياسة التفضيلية التي تعرفها المنطقة بالمقارنة مع منطقة القرقور أو الجزائر العاصمة، وكيف أنهم خصوا بمقرر تعليمي موجه للقبائل دون العرب.

وبالنسبة إلى حرصه فيما يبدو على ربط اللغة القبائلية والثقافة البربرية بالثقافة العربية والإسلامية وتحفظاته فيما يبدو على جوانب من السياسة التعليمية المنتهجة، فيعتبر أنّ اللغة القبائلية ليست بلغة مكتوبة وأنّ ليس لها حروف وإذا كان لها حروف فإنّ ذلك وقع في العهود القديمة جدا وأنّ كتابتها منذ الفتح الإسلامي كانت بالحرف العربي وأنّه فيما يخص اختياره الحروف لكتابة ما جمعه يخبر أنّه اختار الحرف الفرنسي وكان بإمكانه استعمال الحرف العربي، ويؤكد أنّ استعمال الحرف العربي بالنسبة للأصوات والنطق  أفضل من أي لغة أخرى ويشير إلى أنّه جمع مجموعة من القصص هي منقولة من الأدب العربي ،كالمستطرف وألف ليلة وليلة والنقل بالنسبة له من التراث العربي إلى التراث القبائلي لاشك فيه وأن المقارنة بين اللغتين ستفيد كثيرا، وأنّه بالنسبة للشعر الذي جمعه اضطر إلى حذف مجموعة كبيرة من الأشعار لأنّها كانت مليئة بألفاظ عربية وألفاظ بذيئة.

ومن الشهادات المهمة التي يقدمها ما تعلق بالدراسات الإسلامية بالقرقور، وأنّه جمع وثائق كثيرة بالعربية ووعد بنشرها لاحقا، مبينا أن تلك المنطقة هي نصف -قبائلية semi- kabyle وأنّ بكل قرية زاوية للأطفال وللكبار ،وكلهم تقريبا يقرءون ويكتبون بسهولة و كثير منهم مشتغلون بالأدب و العلوم الشرعية ولهم مكتبات عامرة .ويتعجب كيف في منطقة كهاتة لا يوجد بها مدرسة فرنسية، ويعقب على ذلك »صحيح أنّ في الجزائر وهي العاصمة  لا يوجد فيها إلا مدرسة واحدة بباب جديد .فيصف  هذا الوضع بالخطأ الكبير ،ويضيف أنّ سبب أو دافع هذا الإهمال لا يستطيع فهمه  « .

كما أنّه يؤكد أنّ هناك تشابها كبيرا بين المنطقتين وأنّ سكان منطقة القرقور هم على الأقل في مستوى واحد من حيث الكدح والعمل، وأنّه يمكن إدماجهم تدريجيا بإدخال الأفكار الحديثة في أوساطهم بتعليم واقعي وموزون بحكمة .

وبالنسبة إلى الإسلام واللغة العربية ومن زاوية إدماج الأهالي فيعتبر في الأول أنّ القرآن لا يدعو للتعصب، وهو نفسه تعلم القرآن، وثانيا أنّه يجب إعطاء عينة خاصة لمسألة اختيار المعلمين الذين يعرفون لغة السكان ولا يحرجهم في معتقداتهم، ويتمنى بالنسبة للغة أن يتم وضع كتاب موحد وليس كتاب موجه فقط للقبائل وآخر للعرب، ولكن موجه لكليهما، وأن يكون دليلا حقيقيا للمحادثة العادية، خاليا من الأفكار المبهمة ومن كل الإيحاءات التي من شأنها إحياء الحزازات ذات الصلة بالعرق أو الدين، ويقول أنّ ما ألفه كل من صباتييه، وشير وميلهسscheer et mailhes كتب موجهة لقبائل  الجرجرة، وأنّ الجزائر ليست القبائل، ويقترح كنماذج لهذه الكتب التي يجب إقرارها للجميع، كتاب ل Machuel الأستاذ السابق للغة العربية بوهران، والذي لا يحتوي أي كلمة توحي أنّها موجهة إلى صاحب دين معين أو أصول معينة أو جنسية معينة، وكتاب آخر لـ جوزيف ريناش وشارل ريشت يعتبره أيضا نموذجيا، لأنّه يتضمن فقرة في التقديم تنوه بالحضارة العربية و جاء في مستهلها “أنّ العرب لهم ماضٍ حضاري مجيد. في حين كانت أوربا غارقة في الظلمات، نور ساطع أضاء العالم الإسلامي.

وعن تعليم العربية فيرى أنّ تعليمها إذا اقتصر على بعض المبادئ النحوية والأدبية فهو موافق على تدريسها وذلك لن يضر الفرنسية، بل يرى أنّ المتفوقين في اللغة الفرنسية هم الذين لهم ثقافة عربية ولو محدودة، ثم التعليم المزدوج يساعد في كسب الآباء، وبالنسبة لبلاد القبائل يرى نفس الشيء ويبرر ذلك بأسباب اقتصادية من حيث أنّ عددا كبيرا من المنطقة يتنقلون إلى المناطق العربية للتجارة وهذا يتطلب معرفة باللغة العربية وذلك إلى أن تعم اللغة الفرنسية وتصبح لغة وطنية.

بالنسبة لتعليم المرأة فإنّه يرى أنّ الوقت لم يحن بعد لحل هذا الإشكال، وكيف أنّ بفور ناسيونال السكان لا يرضون بذلك، لكنّه ليس ضد المشروع مبدئيا وأنّه لا يدعو إلى غلق المدارس التي فتحت من قبل كمدرسة في قسنطينة ومدرسة تادرت أوفلا التي أنشأها صباتييه.

ولقد أطلنا نسبيا في ذكر ما جاء في الكتاب ،لأنّ المعطيات التي تضمنها ،تشكل شهادة لها أهمية خاصة ،لكونها صادرة من جزائري عاش في مرحلة مفصلية كما أسلفنا قوله: مرحلة تعتبر من أخطر المراحل في تاريخ مسألة النزعة البربرية، أين وضعت الأسس العملية للسياسة البربرية  والمرحلة التي بدأت العدوي تسري إلى المجتمع الجزائري أو بالأحرى إلى جزء من نخبته القليلة.

وهي شهادة تبين كيف تم التركيز على منطقة القبائل الكبرى دون المناطق الأخرى من البلد وحتى التي هي تعتبر منطقة القبائل بالمفهوم العام، وأنّ من أهم مظاهر هذا التمييز في التعامل هو المدرسة وأنّ حقيقة هدف فرنسا هو نشر لغتها، وأنّ هناك إجحافا في حق اللغة العربية .

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مرحبا بالمطهر

مداني حديبي/ مرحبا بالنبع الصافي والشلال المتدفق الذي يسقي أرواحا جفت وقلوبا عطشت ونفوسا ضمئت: …