الرئيسية | اتجاهات | شكرا للرئيس “ترمب”..؟ بين الرياض واستنبول/ محمد الحسن أكـــيـــلال

شكرا للرئيس “ترمب”..؟ بين الرياض واستنبول/ محمد الحسن أكـــيـــلال

في الرياض عقدت المملكة العربية السعودية مؤتمرا للتحالف العربي الإسلامي، وقد كان مؤتمرا خصص لتهنئة وتكريم وتشريف الرئيس الأمريكي المنتخب “دونالد ترمب”، تهنئته بالفوز رغم أنف الناخبين الأمريكيين الديمقراطيين ومن بينهم الكثيرين من المواطنين الشرفاء الذين ملّوا من الابتزاز الصهيوني، وتكريمه بتحميله مبلغ 450 مليار دولار تخصص لشراء الأسلحة واستثمارات في البلدين الحليفين مع الأخذ بعين الاعتبار المخصصات المالية لدولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وتشريفه بتوكيله للتصرف بكل حرية لإيجاد حل –أي حل للقضية الفلسطينية– حتى ولو على حساب الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني وعلى حساب شرف وكرامة الأمتين العربية والإسلامية.

السيد “ترمب” الذي غادر الرياض في نشوة غامرة متجها إلى “تل أبيب” ليزف البشرى لـ”نتانياهو” صديقه الواثق من نفسه على قدرته الخارقة في التأثير في اللوبي الصهيوني في أمريكا، والواثق في نفسه في النجاح الباهر الذي حققه في كسب ود وصداقة الدول العربية الأهم في نظره لكونها هي التي سعت إليه لصياغة اتفاق تحالف عربي صهيوني ضد الثورة الإسلامية الإيرانية ومن وراءها المقاومة العربية الإسلامية في المنطقة.

مؤتمر الرياض لم يكن مرتجلا أو عشوائيا ككل مؤتمرات القمة العربية التي تدعو إليها المملكة العربية السعودية، وهذا منذ ما يربو عن ثلاثة عقود، ربما منذ انعقدت الدورة السادسة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر عام 1988 والتي أعلن فيها الراحل المرحوم “ياسر عرفات” عن إنشاء دولة فلسطين على الأراضي المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف، وقد تلا هذا الإعلان اعتراف الكثير من الدول بها، ولو أرادت الدول العربية الأهم حسب التعبير الصهيوني لاكتمل النصاب وفرضت الدولة الفلسطينية عضوًا كامل الحقوق في الأمم المتحدة، لكن المملكة في ذلك الوقت مشغولة البال ومنشغلة بالتفكير فيما بعد إيقاف القتال بين العراق وإيران بعد ثماني سنوات من التدمير والقتل بين الطرفين وتكاليف باهظة قدمتها المملكة للعراق أملا في انتصاره على إيران والتخلص النهائي من نمو قدراتها وتطورها.

للتذكير

في هذه الفترة وما بين عامي 1980 و1990 كانت الولايات المتحدة الأمريكية في أوج نشاطها وقمة هجومها الشامل لتدمير كل القوى المناوئة والمناهضة لنفوذها وسيطرتها على أوراسيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا للتخلص النهائي من الاتحاد السوفييتي وكل الدول الحديثة الاستقلال والتي نالت حريتها واستقلالها بقيادة حركات التحرر وفضلها ونص خطاب “جيمي كارتر” الذي ألقاه في جلسة مغلقة أمام اتحاد الناشرين الأمريكيين بتاريخ 27 جوان 1977 حرفيا على ما يلي: وهنا.. تقتضي الضرورة استعمال القوة لضرب كل من العراق والصومال والجزائر وليبيا التي لم يذكرها باللسان ليقينه أن السيد “محمد أنور السادات” قرر ضربها بتاريخ 27 جويلية 1977.

هذا الهجوم الأمريكي ليس سرًا الآن، إنه مبارك، بل وشاركت فيه المملكة العربية السعودية بالتمويل وتجنيد الشباب المسلم للجهاد في أفغانستان ومن بين هؤلاء الشباب الجزائري، بعد حديث كان فيه كثير من اللوم والعتاب وجهه الملك للرئيس “الشاذلي بن جديد” -رحمه الله- والذي لم يستطع الرد إلاّ بقوله أنه لا يمكن له إلاّ غض الطرف عن الشباب الذي يريد الالتحاق بالمجاهدين في أفغانستان.

في هذه الفترة استدرجت الجزائر للسير في مسار جديد تجهله كل الجهل ولم تكن تدرك أخطاره إلاّ بعد فوات الأوان بارتفاع مديونيتها الخارجية إلى مستوى يستحيل عليها فيه مواصلة الإنفاق حتى لدفع تكاليف الواردات من المواد الغذائية والأدوية، وهنا حدثت الكارثة التي خطط لها مسبقا من طرف الولايات المتحدة وحلفاءها، فقامت المملكة بتخفيض سعر البرميل من النفط إلى ما دون 9 دولار بقرار لا دوافع له ولا جدوى إلاّ إسقاط الجزائر في الأخدود الذي حفر لها، وهذا بتأكيد الخبير البترولي العربي “نيكولا سركيس”؛ هنا وجد النظام الجزائري نفسه في وضع خطير لا يحسد عليه وفي حاجة ماسة للاستدانة الخارجية لمبلغ لا يزيد عن 850 مليون دولار لمواجهة الوضع لمدة سنة على الأقل، في تلك الأثناء كان ولي العهد ووزير الدفاع الأمير “سلطان بن عبد العزيز” في رحلة صيد للغزلان في صحراء الجزائر، فطلب السيد المرحوم “قاصدي مرباح” من الرئيس “الشاذلي” -رحمه الله- أن يطلب منه قرضا بالمبلغ المذكور فرفض الرئيس -رحمه الله- خجلا، فما كان من المرحوم “قاصدي مرباح” إلاّ أن يطلب من الأمير ذلك، فوعده بأن يقترح ذلك على مجلس الوزراء بعد عودته إلى بلاده، ولكنه تملص من الوعد ولم يجب حتى على المكالمات الهاتفية وإلحاحات السفير.

لقد كانت الأزمة المالية التي خلفتها عملية تخفيض سعر البرميل عام 1986 المفصل والمنعرج الذي وضع فيه الكمين للجزائر لإلقاء القبض عليها مسكينة خاضعة ذليلة ليزج بها في الجحيم الذي دام عقدَا ونصفًا من الزمن ولتوضع نهائيا في طريق توجه الاقتصاد الرأسمالي المتوحش الذي يبعدها محور الدول الممانعة للتطبيع مع إسرائيل.

خلال هذه الفترة تخلصت الإمبريالية الأمريكية من الصومال كدولة ذات سيادة تطل على مضيق باب المندب، وجرب نفس الأسلوب مع الجزائر فيما بعد وبدأ العمل لتقسيم السودان وهوجمت ليبيا مرتين، مرة من الطائرات الأمريكية وأخرى بالقوات الفرنسية على شريط أوزو على الحدود مع التشاد، ثم بدأ العمل لغزو العراق وبقية المسلسل الدرامي الذي لم ينته إلى اليوم.

مؤتمر استنبول

لقد كان مؤتمر الرياض الذي أعد له القادة الذين يتمتعون بالذكاء العكسي بداية لهجوم امبريالي عربي متخلف طامح طموح الفاشلين المخفقين في نيل المستحيل المتمثل في زعامة العالم العربي والإسلامي بالمال والتحالف مع دولة الكيان الصهيوني التي تنتظر هذه الفرصة لتجلس على عرش سليمان عليه السلام في القدس وتسود وتقود هذا العالم المترامي الأطراف دون أي جهد مالي أو عسكري اللهم إلاّ إذا لم تنجح الأنظمة العربية الحليفة لها في إقناع السلطة الفلسطينية ومقاومتها المسلحة في قطاع غزة.

هذه الحقيقة، التحالف العربي الذي شكلته المملكة العربية السعودية لتدمير اليمن وتفكيكه، ثم الدعوة إلى تحالف أكبر في الرياض يشرف عليه “ترمب” كان الهدف بالنسبة إليها زعامة الإقليم، وإبعاد الدول الإسلامية والعربية المنافسة لها مثل مصر وتركيا وإيران. مصر فعلا أصبحت في خبر كان لأسباب وعوامل عديدة أهمها الجبهة الداخلية والتهديدات الإرهابية والأثيوبية والإسرائيلية بطريقة مباشرة، أما تركيا وإيران فالمملكة يبدو أنها تتنطع أو تنطح صخرًا اللهم إلاّ إذا استعانت بقوة الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وهذا أمر وارد حسب المؤشرات الأولى التي ظهرت من عدم مشاركتها في مؤتمر التعاون الإسلامي الأخير في “استنبول” إلاّ بوفد من الدرجة الرابعة، وزير الأوقاف، إضافة إلى ما صرح به ولي العهد “محمد بن سلمان” لجريدة “لوموند” الفرنسية في الأيام الأخيرة.

مؤتمر استنبول الذي دعا إليه الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” كان بمثابة العاصفة التي أزاحت اللثام عن وجوه العرب المعدين العدة للالتحاق بدولة الكيان الصهيوني رغم كل ما فعلت وتفعله في الشعب الفلسطيني.

إن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين وجمهورية مصر العربية قد ظهر للعيان الدور الذي كلفت به من طرف الإمبريالية الأمريكية والحركة الصهيونية، ويتمثل هذا الدور في إقناع أنظمة عربية أخرى بما في ذلك السلطة الفلسطينية التي لم يتورع رئيس جمهورية مصر العربية من دعوته إلى القاهرة والطلب منه عدم الحضور في مؤتمر قمة منظمة التعاون الإسلامي، وهذا الطلب لا شك أنه سعودي وأنه مشفوع بدفع مقابل ذلك ماليا، والتوسط لدى إسرائيل لمنحه صلاحيات أوسع في الضفة الغربية وتعويضات مالية عن أراضي بنيت فيها المستوطنات العشوائية وتوسيع مدينة القدس الشرقية إلى هضبة “أبي ديس” لتكون عاصمة للسلطة الفلسطينية، بعبارة أخرى الطلب من “محمود عباس” القبول بالمبادرة الجديدة التي أعلن عنها الرئيس “ترمب” باسم صفقة القرن والتي تدارسها صهره “كوشنر” مع الرئيس المصري وخادم الحرمين الشريفين وولي عهده، والتي يبدو أن هؤلاء أعلنوا موافقتهم الضمنية عليها.

مؤتمر اسطنبول أوجدته العناية الإلهية لإعادة الأمور إلى نصابها في منطقة الشرق الأوسط وتأكيد هزيمة أمريكا ميدانيا في كل من سوريا والعراق وفشلها الذريع في تنفيذ مخططها الرامي إلى إعادة تقسيم المنطقة ولجم بل واستئصال كل فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

لقد انقلب السحر على الساحر، فقرار “ترمب” بإعلانه القدس الموحدة عاصمة للكيان الصهيوني، قلب العالم الإسلامي كله ضده وكل العالم، والأيام القادمة ستكون حبلى بانتصارات سيحققها الشعب الفلسطيني بدعم ومساندة كل شعوب الأمتين العربية والإسلامية وكل العالم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

هــــذا هــو البيـــت السعيـــد

عبد العزيز كحيل/ عند المسلمين الملتزمين بدينهم ليس البيت مجرد مأوى يتلاقى فيه أفراده للطعام …