الرئيسية | على بصيرة | ملتقى قسنطينة الدولي تفعيل العقيدة الإسلامية في الاستنهاض الحضاري/ د. عبد الرزاق قسوم

ملتقى قسنطينة الدولي تفعيل العقيدة الإسلامية في الاستنهاض الحضاري/ د. عبد الرزاق قسوم

ها نحن نلتقي على مائدة العقيدة والنهوض الحضاري، وقد أحسن المنظمون في جمعية العلماء واتحاد العلماء في كل من قسنطينة وتونس، أحسنوا صنعاً، بهذه التوأمة الحميدة، القائمة بين العلماء على أساس العلم والعقيدة.

فموضوع العقيدة، والنهوض الحضاري، موضوع هام يضرب بعُمق في واقعنا الإسلامي اليوم بما يفرزه هنا الواقع من شتات، وضعف، وغلو، وعنف وإن كل ما تعانيه أمتنا اليوم، إنما نتج عن ذبذبة في العقيدة، وعن النأي بها عن أمجادها التليدة، فكان هذا السقوط الحضاري الذي نعانيه، وهذا التمزق بمختلف أبعاده ومعانيه.

إن موضوع ملتقانا هذا هو موضوع الساعة، إنه الهاجس الذي يستبد بكل مثقف، وبكل مؤمن، وبكل واع بواقعنا وموقعنا على الساحة العالمية.

لذلك، “تداعَوْنا” إلى هذا الملتقى، لنشخص الداء، ونبحث عن الناجع من الدواء.

وإن المتأمل في الخطاب الإسلامي اليوم، وهو يتفاعل مع ظاهرة السقوط، ومحاولة النهوض، لينتهي إلى مجموعة من المعطيات، التي انتهى إليها فقهاء العقيدة المتخصصين في النهوض الحضاري، والحاملين لهاجس السقوط، فهم يكادون يُجمعون –في تشخيصهم للداء- على أن أهم أسباب ما نحن فيه من سقوط يمكن أن يتلخص في الفئات التالية:

طغمة الغلاة، وطغمة البغاة، وطغمة الغزاة، وطغمة الطغاة

وبإخضاعنا لأسباب التأزم هذه، نجد أن المفتاح المفقود، في كل هذا التأزم إنما هو العقيدة، فعدم الفهم الصحيح للعقيدة، وعدم التطبيق الأصح لها، هو المقدمة الخاطئة، للنتائج الفاسدة، وقد نبهنا الحديث الشريف إلى هذا في قوله صلى الله عليه وسلم: يحمل هذا العِلم من كل خَلف عُدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، ويتم هذا عندما يهمش أهل العلم العدول، فيحولون من أهل الحل والعقد، إلى أهل الختل والحِقد.

إن تنزيلنا لهذه الظاهرة، ظاهرة العداء للعلماء، واتهامهم بأشنع الأوصاف، هو ما قاد إلى تفاقم التأزم، والتمكين لعلماء السوء على حساب علماء العقيدة الصحيحة، والمواقف الصريحة.

نحن إذن –اليوم- وجها لوجه أمام الغلاة في الدين، هؤلاء الذين جنوا على أمتنا، بوصف المخالفين لهم بالتبديع والتكفير، واللجوء بعد ذلك إلى التفجير،{لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}[سورة التوبة الآية 10].

إن الغلاة في أمتنا، شرذمة لم يؤتوا من العلم إلا قليلا، وقليل من العلم يفسد العقيدة والدين، إنهم أميون في فقه الفقه، وهم جهلة بأصول الدين، إنهم بكلمة واحدة، أسوأ محامين عن أعدل قضية وهي الإسلام، وبذلك ساهم هؤلاء الغلاة في تعميق هوة السقوط الحضاري للأمة.

فأنى لفاقد الوعي بالقضية، ولأميي الثقافة العقدية، ولأبجديي المنهجية في الدعوة الإسلامية، أنى لهذا الصنف من الناس أن يكون عامل بناء، وقد جعل نفسه أداة هدم وإفناء، أما الفئة الثانية، من عوامل التأزم، كما وصفها أخونا وزميلنا عصام البشير، هي فئة الجفاة. ونحن نصف هؤلاء في إعلامنا بالاستئصاليين الذين، يفرغون الإسلام من مضامينه، فهم غلاة أيضاً في مناصبتهم  العداء للإسلام، وهم يلبسون الإسلام، الذي هو دين ودولة، لباس العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة، وهو ما يمثل نوعاً آخر من السقوط الحضاري، لأنهم يعملون على تغييب الوجه الحقيقي للإسلام، وصبغه بصبغة الحداثة، المادية المنبتة، وإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى، وأولئك هم المنسلبون الذين يحتاجون، كما يقول شيخنا محمد الغزالي إلى صدمات كهربائية، تعيدهم إلى الذات الحقيقية، وتوقظهم من الوهم، والوهن.

فإذا كان هناك غلو أدّى إلى التكفير والتفجير، وهناك غلو آخر، هو غلو التخدير، الذي يؤدي إلى التدمير النفسي والمعنوي لعقل وقلب الأمّة.

الفئة السلبية الثالثة، كما وصفهم فقهاء حضارتنا هم الغزاة، وبتدقيقنا لمصطلح الغزو نجده يمثل –في هذا المجال- نوعا من العدوانية على الذات، بكل خصوصياتها، ثقافيا، واقتصاديا، ودينيا.

هي عدوانية على العقل بجميع أبعاده، ومكوناته، وإذا أردنا المصطلح المتداول، قلنا إنهم فلاسفة العولمة أو العولمية، إيديولوجيا، وعسكريا، فهم غزاة ثكنات وحقول، وغزاة ذهنيات وعقول.

لقد عمل هؤلاء الغزاة على تحويل الأمة إلى غثائية، كما يقول الفيلسوف المغربي عبد السلام ياسين…أي إلى غثاء كغثاء السيل، كما نبهنا إلى ذلك معلمنا الأول محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد وجدنا أن هذه الفئات السالبة في أمتنا قد مكنت لفئة أخرى، لا تقل خطورة، وهي فئة الطغاة، والطغيان مصطلح فضفاض، فقد يكون طغيان مال أو طغيان سياسة، وقد يكون طغيان علم أو طغيان تكنولوجيا، وإن الإنسان ليطغى، فالطغيان نوع من الظلم، ومن الاستبداد، يقوم به قوم يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

فما يحدث لإخواننا الروهنغيين اليوم على يد البوذيين، هو طغيان باسم الدين، فالمسلمون يقتلون هناك، ويضطهدون في دينهم، وفي وجودهم، ولا ذنب لهم إلا أن يقولوا ربنا الله، {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[سورة البروج الآية 8]، والمؤسف إزاء كل هذا كله، أن ما يحدث على يد الغلاة، أو الحفاة، أو الغزاة، أو الطغاة، يتم في صمت من المسلمين، حكاما ومحكومين، والأنكى هو أن المسلمين منشغلون بالمحن، والمفتن، حيث يقتل بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً..

فما هي –إذن- والحالة هذه أدوات النهوض من السقوط، وكيف يتم تفعيل العقيدة لتحقيق ذلك؟

لا أود أن أستبق الأساتذة الباحثين في تحديد الأدوات، ولكنني أدلي بكيفية متواضعة فأقول بأن من أدوات النهوض، ومن تُعنى هنا التبعيضية، فهي قابلة للزيادة، أقول إن من أدوات النهوض:

  • تفعيل الخطاب، ويتضمن الخطاب فلسفة اللغة وفلسفة المعنى.

فلابد من تصحيح الخطاب الإسلامي، عقديا وفقهيا، لتحصين الذات ضد السقوط، وهي مهمة العلماء أو أهل الحل والعقد، ولن يتم هذا إلا بتعاون القرآن والسلطان، وقد تجسد هذا في الجو السائد بين جمعية العلماء ووالي الولاية بقسنطينة.

  • إصلاح المنهج، وضبطه، بالاستلهام من العلم والعالم، أي بما هو صحيح من العلم، وما هو سليم من تجارب العالم، ثم تنزيل ذلك على الواقع الإسلامي المعيش لاستئناف النهوض.
  • إعادة ضبط، وتحديد الغائية أو المقصد، وهذا يتطلب التخطيط السليم، وتحديد الهدف القويم، واتخاذ الأسلوب الحكيم.
  • تبني قاعدة التسامح في المؤتلف فيه، والمختلف عليه، وهو أدب الاختلاف لمقاومة التعصب بكل ألوانه، وخاصة لدى الشباب، والمثقفين، والدعاة، لتجاوز المأزق الحضاري الذي تصنعه العولمة بحداثتها، والعالمية الإسلامية، بأصوليتها، ونعتقد أن ذلك ممكن، إذا تبنينا منهج الصالحين المصلحين من علماء الأمة كمبدإ، وتطعيمه بالأسلم والأصلح من قيم الحداثة، والنهضة، والتقدم.

هذه إذن –يا إخوتي- بعض معالم التشخيص التمهيدي لعملية التفعيل العقائدي والنهوض من السقوط.

وتلك هي غاية هذا الملتقى العلمي المتخصص الذي يضم كوكبة من الباحثين الأكاديميين الذين وضعوا خبرتهم لتدقيق وتعميق ملتقانا العلمي العالمي هذا.

فليسدد الله خطاكم، وليحقق مبتغاكم.

والسلام عليكم

عن المحرر

شاهد أيضاً

سُحب دكناء في سماء تونس الخضراء

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ إن مما أنعم الله به على …