الرئيسية | أقلام القراء | في رحاب مولد الهادي البشير محمد صلى الله عليه وسلم وأدباء الغرب/د. إبراهيم نويري ـــ كاتب وباحث جامعي

في رحاب مولد الهادي البشير محمد صلى الله عليه وسلم وأدباء الغرب/د. إبراهيم نويري ـــ كاتب وباحث جامعي

المسلمون في المشارق والمغارب يؤمنون إيمانا جازما لا تشـوبه شائبة ولا يَخْرِمُ ألقه  شكٌّ بأن شخصية نبينا محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه – هي أجلُّ وأعظم شخصية درجت على ظهر الثرى ، وأعـظم شخصية  بزغ ضياؤها على دنيا الناس فعرفها التاريخ الإنسـاني واحتفظ لها في ذاكرته وسجــلاته بصفـــحة ناصعة متلألئة لا مفر أبدا من الرجوع إليها والاستمداد منها والاهتداء بهديها والائتساء بشمائلها.

إن اسم محمــد بن عبد الله كـان ولا يزال وسـيظل دائما وأبدا يمثل بحق نداء النجــدة لكل المظلومين والحيارى والمهمومين، وســيبقى قلبه الطــاهر الشريف مرفأ لراحة المتعبين المكدودين من أبناء البشــرية ممن تاهت بهم الســبل وتفرقت بهم المســــالك والدروب فلم يهتدوا بعدُ إلى معرفة هذا المرفأ الآمن الحـاني الذي يمـدهم بالطــمأنينة ويشحن أفئدتهم بالهدى والخير والبر والإحسان ، ويؤهل عزائمهم ويصقلها كي تواجه صعوبات الحياة وأوهاقها المختلفة.

فهـل مـا نضفيه نحن المســلمون على هذه الشخصـية الـفـذّة وهذا النبي الإنســان من خصال وسمات ومعـالم وما تخـفق به قلوبنا نحوه من توقـير وتـبجيل ، وما يـثوي فـي أعماق أفئدتنا تجاه شخصه ورسالته وسيرته من حب وهيام وتعلق وائتساء .. هو أمر خاص بنا وحدنا من منطلق ديننا ومبعث إيماننا بالرسالة العظمى التي بلّغها هذا النبي الإنسان عن ربه بكل صدق وأمانة ؟ أم أن هناك مَن يلتقي معنا ويشــاركنا الكثير من هذه المشاعر الفياضة والأحاسيس الغامرة النبيلة ؟ …

إن أي مطلع على التراث الإنساني الفكري والأدبي والفلسفي ونحوه يقع بصره على الكثير من آراء ومقولات عدد هائل من المنصفين ممن قالوا كلمات مشرقة  منصــفة في إمام الأنبياء والمرسلين – صلوات الله وسلامه عليه – ولا شك أن المسلم الصــادق المـحب لنبيه لا يسـعه إلا أن يحتفي ويـقدر هؤلاء النـاس الذين صـدرت عـنهم تـــلك الكلمات والشهادات.. أولاً لأن الإسلام نفسه أمرنا برد الحسنى وعدم إنكار المســـالك الراشدة لأهــل الفضـل من الخلائق .. وثانياً لأن هؤلاء الناس الشرفاء ترفعــوا عن التعصـب المقيت الذي يتمثله أو يدعــو له لفيف من أتباع ” بطرس الناسك ” في الغرب النصراني ، فجاءت كلماتهم تلك معبرة عن احترامهم المجرد لضمائرهم ولحقائق التاريخ .

ومـن أبـرز هـؤلاء الأدباء العـالميـين الكـبار مـمن وقــفوا مشـدوهين  أمام شخـصية صاحب الرسالة العظمى معجبين ومقـدّرين الأديب الانجليزي الشهـير” برنارد شـو” مؤلـف كـتاب ” المسيح ليس مـسيحـيا ” فقد أُثر عنه شدة إعجـابه بـهذا النبي الإنسـان المتواضع الذي كان يرقّع ثوبه ويخصـف نعله ويحـلب شـاته ويشارك أزواجه شؤون البيت ويفضل أن يقوم بنفـسه على أعماله ورعاية ما في ذمته  من تكاليف و واجبات وبرامج … ومن هذا المنطلق نجد ” شو” يقول : ”  لو حكم هذا العــالم رجـل كمحمد لقدّم له الحلول لمشكلاته بل لفتح كلّ مستغلق من شؤونه وفي وقت قريب .. ”

 

أما  رمز الأدب الألماني الشاعـر الكبـير ” غوته ” فبلغ به العجـب أقصاه وهـو يقـرأ القرآن الكـريم ، الكتاب الخالـد الذي يمـثـل الخـلاصة الأخـيرة لـلوحي الإلـهي وختـام النبوات الربانـية ، وكان هذا الأديب يتحدث عن بعض شمائل الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – ومما لفت نظره بقوة في هذه الشمائل كيف كان يسير فـي الأسواق ، وكيف كان يغشى المجالس مذكّـراً برسـالة ربه ، وكيف كان يعيـش بين الناس كواحد منهم بلا أبّهة ولا صولجان – وهـو أمر مغاير تماما لـمسالـك ملوك أوروبـا – وكـيف نجح هذا النبي الإنسان في تغيير الحياة البدوية البـسـيطة في جزيـرة العرب وتوحـيـد القبائل التي كـثيـراً ما نشـب القـتال بينها من أجـل سـباق لـلخيل أو أبيـات من الشـعـر تضمنت هجاءً أو وعيداً .. ومـن شعر غوته المأثور في تمجيد هذا النبي الإنسان قوله :

”  بخـطوة قائـد ثابـت ..

و تحـت وطأة قـدمه ..

تنبت في الوادي زهـور ..

وتحـيا من أنفاسه زهور ..

ولكن لا يصده واد ظليل .. ” .. إلخ ..

وقد ألف غوته أيضا ملحمة شعـرية في سـيرة ودعـوة النبي – صلى الله عليه وسلم – عـرض فيها لـلكثير من مراحـل حياتـه وجهاده في سبيل توطيد أركان الرسالة التي كُلف بتبليغها .

ومـن بيـن الأدبـاء العالـميـين الذين عبروا عـن تأثرهم بشخص ورسالة النبي الخـاتم أديب روسيا الكبير ” ليون تولـستوي”  فقد ألـف كـتابه ” حِكم النـبي محمد ” ترجـمة لهذا التأثـر الذي استولى عـلى نفـسه.. ومما قاله تولستوي ودوّنه بقلمه : ” لا ريب أن  النبي محمدا من كبار الرجال المصلحين الذين خدموا الهيئة الإجتماعية خدمة جليلة ، ويكـفيه فـخـرا أنه هدى أمة بـرمتها إلى نور الحق وجعلها تجنح للسلام ، وتكـف عـن سفك الدمـاء.. وفتح لها طريق الرقي والتقدم ، وهذا عـمل عـظيم لا يقـوم به إلا رجل أوتي إرادة وحكمة وعلما.. إن رجلاً مثله جدير بالاحترام والإجلال ” .

ولعـله من الـمنـاسـب أن أخـتم هذه المــراجعة العطـرة بما قرره المؤلـف الأمريكي    ” مايكـل هارت ” في كتابه ” المائة : تقـويم لأعـظم الـناس أثـراً فـي التـاريخ ” حيث جعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أول هـؤلاء المائة الأكـثـر تـأثـيراً في تـاريخ البشرية منذ عُرفت الحياة وعُرف التاريخ … فنقرأ له قوله : ”  لقد اخترت محمداً في أول هذه القائمة ولا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار ، ولكن محمداً عليه السلام هو الإنسـان الوحيـد في التـاريخ الذي نجــح نجاحا مطـلقا ومتناسقا على المسـتوى الديني والدنـيوي معـاً … فـهـذا الامــتزاج بـين الـــدين والدنـيا هـــو الذي جعلـني أؤمـن بأن محـمـداً هـو أعظم الشخصيات أثراً في تاريخ الإنسانية كلها ” .

 

إنّ قـائمة أصحاب تـلـك الشهادات والاعـترافات طويلة إلى أبعد الحدود  فـمنهم مـثلا  ” فولتير ” و ” زيغـريد هونكة ” و ” ريـنـيه جينـو ” و ” آن مـاري ديلكامير ” و ” سيرجيونوجا ” وآخرين كثيرين و من الجنسين ..

ونحـن نحتفي ونسعد دون شكّ كـلما كثر هؤلاء الأدباء والكـُتاب مـن ذوي الضمـائر الصـافية.. ويظل ما قــاله حسان بن ثابت رضي الله عنه في نبيّنا صلـوات الله وسلامه عليه أفضل ما يُردّد في هذا المقام :

خُلقت مبرءًا من كل عــيب     …     كأنك قد خُلقت كما تشـاءُ

فأجمل منك لم ترَ قطُّ عيني    …     وأفضل منك لم تلد النساءُ

 

فاللهمّ صلّ وسلم وبارك على رسولنا الهادي البشير و على آله و صحبه الأطهار .

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة تاريخ الحلقات العلميّة في ورقلة/ إبراهيم بن ساسي

في هذه الإطلالة الموجزة وفي هذا الشهر الرّمضاني الكريم نورد — إن شاء الله — …