الرئيسية | الذكرى التسعون لتأسيس جمعية العلماء | جمعية العلماء المسلمين من حيز الفكرة إلى أفق الواقع

جمعية العلماء المسلمين من حيز الفكرة إلى أفق الواقع

د/ عاشور توامة /

لعل من أهم أسباب تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي مرور قرن من الزمن (1830-1930م) من الاحتلال الفرنسي للجزائر؛ وما صاحبه من طمس للشخصية الجزائرية ونسف لمقومات الهوية الوطنية، لذلك أقدمت نخبة من العلماء بقيادة الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس في تأسيس منظمة إسلامية لإحياء الدين والحفاظ على عناصر الهوية وتماسك الأمة الجزائرية، ولعل مناسبة مرور مئة عام على احتلال الجزائر وما رافقه من احتفالات صاخبة على الجزائر يعد استفزازا صارخا وعاملا قويا في سرعة إخراج فكرة تكوين الجمعية من حيز الأفكار والأماني الى حيز الوجود والتجسيد على أرض الواقع، فبرزت إلى الوجود فعليا في الخامس من شهر مايو عام 1931م، حيث اجتمع بنادي الترقي بالجزائر العاصمة اثنان وسبعون عالما من مختلف مناحي الوطن والمشارب الفقهية.
تمكنت اللجنة التأسيسية عقد اجتماع على هيئة جمعية عمومية لتحديد القانون الأساسي وكان الرئيس المؤقت للاجتماع أبي يعلا الزواوي، وقد تم انتخاب الهيئة الإدارية التي اقترحت قائمة أسماء ثلاثة عشر عضوا، وهذه الهيئة بدورها انتخبت كل من: عبد الحميد بن باديس (رئيسا)، ومحمد البشير الإبراهيمي (نائبا له)، ومحمد الأمين العمودي (كاتبا عاما) والطيب العقبي (مساعدا له)، ومبارك الميلي (أمينا للمال)، وإبراهيم بيوض (مساعدا له)، وأما باقي الأعضاء: المولود الحافظي مولاي بن الشريف، الطيب المهاجي السعيد الياجوري حسن الطرابلسي، عبد القادر القاسمي، محمد الفضيل الورتلاني، فقد كانوا للعضوية والاستشارة.
تولى رئاسة الجمعية في بادئ الأمر الشيخ عبد الحميد بن باديس وهذا بعد عودة المثقفين الجزائريين من مواطن الهجرة إلى الجزائر، فاستقر ابن باديس في قسنطينة، واستقر العقبي في بسكرة، والإبراهيمي في سطيف، وعكف كل واحد منهم في مستقره ينشر تعاليم التوجه الجديد موجها اللوم على الزوايا التي انحرفت عن جادة الطريق وسيطرت على العقلية الجزائرية، وأثقلت كواهل الفلاحين بالأعباء المالية التي كانوا يقدمونها لشيوخ الزوايا القابضين على رقاب الجماهير والكاتمين على أنفاسهم بترويج الخرافات التي ألصقوها بالدين، ولهذا نشرت جريدة ”الشهاب” الصادرة عن الجمعية نداء دعت فيه كافة علماء الجزائر آنذاك للاتصال ببعضهم وإحياء الثقافة العربية؛ حيث جاء فيه: (أيها السادة العلماء المصلحون المنتشرون بالقطر الجزائري، إن التعارف أساس التآلف والاتحاد شرط النجاح فهلموا إلى التعارف والاتحاد بتأسيس حزب ديني محض؛ غايته تطهير الدين مما ألصقه به الجاهلون من الخرافات والأوهام والرجوع إلى أصلي الكتاب والسنة وما كان عليه في عهد القرون الثلاثة).
لقد دعت جريدة الشهاب وغيرها من جرائد الجمعية إلى التعارف والتآلف والاتحاد؛ كي تتغلب وتقوض السيطرة الأوربية وتحارب البدع والخرافات، وتطهر الإسلام مما علق به من شوائب في تلك الفترة، فكانت الجمعية تقاوم الاحتلال الفرنسي البغيض مقاومة سياسية شديدة ومتنوعة، بما أسسته من مدارس عربية، وبما علمت به شباب وشيوخ، وبما عكفت عليه من أعمال كلها في صالح العروبة والإسلام في الجزائر، ولما كانت مواقفها السياسية منسجمة مع الدين عملت الإدارة الفرنسية على تعطيل أعمال وأهداف الجمعية بكل ما أتيح لها من وسائل وسبل، إلا أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد عملت على إصلاح المجتمع وتوعيته وتنويره على مختلف الأصعدة، وذلك بضرورة النهوض من رقدته الطويلة؛ فاتخذت من الصحافة وسيلة أساسية لنشر أفكارها الجديدة وتمزيق ركام الجمود الذي سيطر على الجزائريين حوالي قرنا من الزمن، فأدركت الجمعية أهمية الإعلام في التدليل على الحق، فأسست جريدة ”السنة النبوية المحمدية”، ولكن فرنسا أوقفتها بعدما صدر منها ثلاثة عشر عددا، فأصدرت الجمعية جريدة ”الشريعة النبوية المحمدية”، فكان مصيرها كمصير سابقتها بعدما صدر منها سبعة أعداد، فأصدرت الجمعية جريدة ”الصراط السوي” بعد سبعة عشر عددا، ولم تكتف فرنسا في هذه المرة بإيقاف الجريدة، بل أضافت مادة تنص على منع الجمعية من إصدار أية جريدة في المستقبل، حتى قال الإمام الإبراهيمي معلّقا على القرار، وساخرا من فرنسا، وكاشفا لعتوّها وطغواها ما معناه: (إن فرنسا تحكم بالإعدام على المرء قبل أن يولد…).
وشاء الله أن تخرج الجمعية جريدة “البصائر”، فأشرقت بنورها على الجزائر والجزائريين في يوم الجمعة فاتح شوال من عام 1354 هـ (27 ديسمبر 1935م)، فبصرت الجزائريين بما لم يبصروا به في دينهم ودنياهم، ودلتهم على الصراط السوي؛ حيث كان شعارها ونهجها قوله سبحانه وتعالى:( قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ).الآية 104 سورة الأنعام.
إن في إصدار جريدة ”البصائر” في التاريخ المذكور كثيرا من الرموز، فقد أصدرت يوم الجمعة، وهو عيد المسلمين الأسبوعي، ويوم أول شوال وهو أحد أعياد المسلمين، وبعد شهر رمضان، وهو شهر بدء نزول الوحي، فجاءت كما قال شاعر الجزائر محمد العيد آل الخليفة:
سوف نهدي بنورها
كل من زاغ أو كفر
لا تخافوا، لا تحزنوا
إن عقباكــــــــم الظــــفر

عن المحرر

شاهد أيضاً

من شعب الجمعية/ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين شعبة تلمسان

الأستاذ محمد الهاشمي لقد كانت للزيارات المتكررة إلى تلمسان من طرف الشيخ الإمام عبد الحميد …