الرئيسية | الحـــق الـمر | الإمام القائد…

الإمام القائد…

يكتبه د. محمّد قماري/

أول ما يطالعك وأنت تستعرض سيرة الإمام عبد الحميد بن باديس، رحمه الله، صفة القيادة وقد يؤتى الإنسان حظًا وافرًا من القدرات العقليّة والعلم، لكنه يفتقد لخصيصة القيادة، وقد يؤتى الإنسان مالاً كثيرًا غير أنه أعجز من يجمع حوله آل بيته، وقد تحوط بالإنسان أسباب الجاه والنسب العريق، ومع ذلك تجده قاصرًا على الاستثمار فيما أؤتي من تلك الأسباب…
لقد اجتمع في عبد الحميد بن باديس بعض شتات من تلك الأسباب، فهو عريق النسب وعلى قدر وافر من الجاه، ورزقه الله علمًا وفكرًا متقدًا، غير ان اجتماع تلك الصفات في شخصه لم يكن على نحو (أشتات مجتمعات)، بل هي صفات انصهرت في بوتقة نفسه وعقله، وتداخلت في شخصه حتى لا تعرف أيها اكسبه تلك الهيبة والمهابة، وكيف تطلع رفاقه إليه ليكون رائدًا فيهم، لا ينازعه في ريادته أحد، ولا يشعر أيا منهم أنه أحق بقيادة المسيرة منه!
تلك لعمري آية عظمة ابن باديس، رحمه الله، ففي عالم الحيوان يتميّز الفحل بالغريزة، ويسلم له القطيع زمام القيادة، وفي دنيا البشر ينبغ القائد بين أقرانه في ساعات العسرة، وتجد من اتباعه من يفوقه علمًا، وأكثر منه مالاً وأسن منه في حساب السنين، لكنه هو كبير القوم ورئيسهم، يعرف ذلك في نفسه، ويدركه من تطلع من حوله إلى شخصه على حد ما قال طرفه بن العبد:
إِذا الْقَوْمُ قالُوا مَنْ فَتًى؟ خِلْتُ أَنَّنِي *** عُنِيتُ، فَلَمْ أكْسَلْ ولَمْ أتبلّدِ
وكذلك فعل ابن باديس في مطلع عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، وقد بلغ أشُدّه وبلغ أربعين سنة، وقد جمع إخوانه تحت مظلة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)، بعد أن سلخ عقدا ونصف العقد من الزمن في (إعادة تشكيل العقول)، وأخرج جيلاً من النشء ومن الكهول والشيوخ، أخرجهم من ضلالات الوهم وسلّحهم بنور الفهم، فإذا به بالأمة الجزائرية تخرج من أجداث المقبرة الاستعمارية خلقًا جديدًا…
كان المرحوم أحمد بوشمال (أمين سره)، يشفق على رفيق دربه وأستاذه، فيحاول أن يؤثره بلقمة من طعام تشد أوده، فإذا بالرجل الكبير يسأله: وهل أكل الطلبة في مراقدهم؟ ويعود إلى قطعة الكسرة وكأس اللبن غير مكترث بما يقذف في جوفه، فإذا جنَّ الليل قصر من لحافه في برد قسنطينة كيما لا يخلد إلى فراش وثير، وشعاره قول القائل:
فما أطال النوم عمرًا *** ولا قصّر في الأعمار طول السهر
ولا عجب بعد ذلك، أن تجد الرجل محققًا في التراث بعقل العالم، متماهيًا مع عذب الكلام بقلب الأديب، راصدًا للواقع وتناقضاته بحس السياسي، يدبج الخطب، ويلقي دروس الفقه والتفسير واللّغة، ويحاور الأعيان ويداري الاحتلال وعيونه…
إن عبد الحميد بن باديس، رحمه الله، قائد بالفطرة وقائد بالاستعداد وقائد بالتكوين، يجمع ولا يفرّق، ويؤثر الفعل على القول ما كان الفعل بانيًا، وينير العقول بالقول مادام القول يمهّد له طريق العمل…
ترصد الاستعلامات الاستعمارية تحركاته، وتدرك خطر ما قد أفاض فيه من أعمال، فإذا نزغ شيطانها فيها للفتك به، لا تجد فيما تستعرضه من حركته ما يسوّغ لها البطش به، فتعمل على تكدير صفوه بمضايقة أعوانه، فيعمل على ايجاد البدائل، وهو يردد مع السمؤل:
إِذا سَيِّدٌ مِنّا خَلا قامَ سَيِّدٌ *** قَؤُولٌ لِما قالَ الكِرامُ فَعُولُ
خمسة عقود من الزمن هي كل مكث ابن باديس في دنيا الناس الفانيّة، قذف مع كل زفرة من زفراته الطاهرة روحا تحرّكت في أرواح الجزائريين، كان مدركًا للواقع وعقابيله، ويحاول إخراج جذوة من تحت الرماد (فربما حيُّ الخشب)، وتلك (فاء) الاستئناف لا يدرك ما فيها من لطائف إلا القادة الكبار، وكم كانت كلمات محمد العيد تحيّة لذلك الأمل، وهو يقف لأول مرة على قبر الإمام القائد:
لا تخشَ ضيعةَ ما تركت لنا سدًى …*… فالوارثون لما تركت كثيرُ
نفْحتك من رحماتِ ربك نفحةٌ …*… وسقاك غيْثٌ من رضَاه غزيرُ
إن ابن باديس كان أمَةً في تاريخ الجزائر الحديث، وهو يستشرف أحابيل المستعمر فيكتب في مجلة (الشهاب) سنة 1936 بأن (ما جمعتهُ يدُ الله لا تفرقه يد الشيطان) قائلاً: « إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصراً مسلما جزائرياً، أمُه الجزائر وأبوه الإسلام».

عن المحرر

شاهد أيضاً

لا تحسبوه شرا لكم…

يكتبه د. محمّد قماري/ تتوالى الأخبار الحزينة من فلسطين الجريحة لتذكر الأمّة الإسلامية بعجزها، الوظيفي …