الرئيسية | عين البصائر | مسلـــــم وكفـــى

مسلـــــم وكفـــى

أ. لخضر لقدي/


بادرني شاب مفتول العضلات ممشوق القوام بسؤاله: يا شيخ هل أنت سلفي من الطائفة المنصورة والفرقة الناجية؟ فقلت يا أخي ما أظن عاقلا يغيب عنه هوان الأمة وتخلفها في كل ميادين النصر والسباق، وقد توالت هزائمنا وخيباتنا حتى كدنا نقول {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} ؟.
ولكي أخفف عنك ها أنذا أذكرك بسؤال طرحه خير الأصحاب لخير الأنبياء حينما نزلت عليهم المصيبة فتساءلوا: {أَنَّى هَذَا؟} أي من أين أصابنا هذا الانهزام، وكيف حدث فينا هذا القتل ونحن مسلمون نقاتل في سبيل الله وفينا نبي يوحى إليه؟ فكان الجواب: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} فقد خالفتم الأمر، والشأن أن من أطاع ربه وأطاع نبيه جاءه النصر فــ: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}.
وما أظن مسلما يغيب عنه أن العبرة بالخواتيم الحسنة، وأن مجرد الدعوى لا تقدم ولا تؤخر شيئا.
أما جوابي لك فأنا مسلم وكفى، قال محاوري: هذا لا يكفي فجوابك يمكن أن يكون صحيحا قبل انتشار الفرق، وتعدد المذاهب.
قلت أخشى إذا قلت لك أنا مسلم على الكتاب والسنة أن تقول هذا لا يكفي حتى تقول: أنا مسلم على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وخوفي أن ينتهي بك الأمر لتحصر الإسلام في فهمك الضيق للدين، وحينها تخرجني وكثيرا غيري من الدائرة التي حصرت فيها نفسك ومن هم على شاكلتك.
الإسلام يا أخي اسم ظاهر الدلالة والمعنى لا لبس فيه ولا اشتباه، إنه الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، وهو: «دين لتنوير العقول وتزكية النفوس وتصحيح العقائد وتقويم الأعمال… يكمل الإنسانية وينظم الإجماع ويشيد العمران ويقيم ميزان العدل وينشر الإحسان»[ابن باديس].
وأنا حريص أن أكون من الصالحين دون أن أجعل الصلاح ترساً أرفعه في وجه كل من يريد نصحي، أو الاستدراك علي أو يريد تصحيح خطإ مظنون أو مقطوع، أوليس الصلاح إلا قبول النصيحة من الآخرين؟.
وأنا فخور أن ديني أمرني بالحرص على الوحدة ونبذ الفرقة، وخوفي أن تضيق واسعا، أو تقول أنكم وحدكم على منهج السلف وأنكم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
إن أكثر ما يشيع البلبلة بين أبناء الأمة أن تضطرب المعاني، وأن تختل المفاهيم، وأن تضل البصيرة تجاه المعاني فهما في عالم التصورات، وتطبيقا في عالم التصرفات.
ولتعلم أن السلفية الحقة منهج لا مذهب، وأن من سبقنا من الأولين أقاموا الدين والآخرين مهدوا قواعده، وكانوا حُرّاس الدين وحفظة الشريعة وعاقلي أسرارها وأصحاب درايتها ومدققي معانيها ومحققي ألفاظها وأرباب رواياتها.
وزد إلى معلوماتك أن خير القرون بعد الصحابة والتابعين المشهود لهم بالخيرية بنص الوحي كان منهم أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل والأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبو الحسن الأشعري والماتريدي، وغيرهم كثير من الأعلام، وهؤلاء لم يكونوا على قول واحد في كل مسائل الاعتقاد، ولا على رأي واحد في مسائل الفقه، ولا ينكر هذا إلا جَاحِدٌ أو مُكَابِرٌ.
وقد تعددت الآراء في مسائل العقيدة والفقه وكان منهم الأثري وصاحب الرأي، وهل يغيب عنك اختلاف العلماء في عذاب القبر هل هو على البدن أو على الروح ؟ واختلافهم في الجنة التي أسكنها آدم هل هي جنة الخلد أو جنة في الدنيا؟ واختلافهم في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه هل رآه بعينه (يعني في الحياة) أو رآه بقلبه؟ .واختلفوا… واختلفوا.
ولا يغيب عنك أن من السلف من توسع في تأويل صفات الباري ومنهم من ضيق، وقد ثبت التأويل عن ابن عباس وأم سلمة، فهل هؤلاء ليسوا من الفرقة الناجية والطائفة المنصورة؟ أو ليسوا من السلف؟
والطائفة المنصورة المذكورة في الحديث: قيل هم أصحاب الحديث وقيل هم العباد وقيل هم المناضلون عن الحق بألسنتهم وقيل هم المجاهدون في الثغور بأسنتهم، كما ذكر أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي.
ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين: منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فـقـهـاء، ومنهم محدّثون، ومنهم زهّاد، وآمرون بالمعروف وناهـون عن المنكر ومنهم أنواع أخرى من الخير، كما ذكر النووي في شرح النووي.
ويجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدّث ومفسّر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد، كما ذكر الحافظ في الفتح.
إن المتبصر لا يخفى عليه أن السلف منهج لا مذهب، فلو كان السلف مذهبا ما تعددت المذاهب، ولا اختلفت الآراء في العقيدة والفقه .
وهو: «منهج وسع: رُخَـصَ ابن عباس، وعزائـمَ ابن عمر، وأثريـةَ ابن حنبل، واجتهادَ أبي حنيفة، وظاهريـةَ ابن حزم، ومقاصديـةَ الشاطبي، ورقائق الجنيد، ومنطقية الغزالي، وموسوعية ابن تيمية!» [عصام البشير].
فلا تضييق ولا احتكار ولا مزايدة من فريق على فريق بالتفرد والاتباع، وعمل الناس وسلوكهم قابل للنقد والمراجعة والتصحيح والنصيحة والملاحظة ولا معصوم فيهم غير النبي صلى الله عليه وسلم.
وينبغي أن يكون أدبنا مع السلف حفظ ود وترضيا على الصحابة منهم، والترحم على من كان من التابعين وتابعيهم بإحسان، فهم الأئمة، وهم القمة، وهم الأساس، والعامة والأميون تبع لهم.
وربنا سبحانه وتعالى سمانا مسلمين، فمن كان سلفيا أم إخوانيا أم صوفيا وسواء كان أثريا أو أشعريا أو ماتريديا أو لا يدري عن هذه الأشياء شيئا هم منا ونحن منهم نتولاهم ونحبهم ولهم واجب النصرة وحق الأخوة، ما داموا مسلمين موحدين لربهم سالكين سبيل الرشاد ولو بدا منهم ما بدا.
وليس كل اختلاف مذموما وإنما يذم منه ما أدى إلى تفرق، أو معاداة، أو تقاطع، أو تباغض، أو حمل على تكفير، أو سبّ، أو لعن.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ملتقى وطني حول أعلام منطقة بني ورتيلان

شهدت مدينة بني ورتيلان بولاية سطيف يوم السبت الماضي 22 ماي نشاطا تاريخيا وفكريا متميزا …