الرئيسية | ليتفكروا | رمضان وتوحيده الأمة ثقافيا

رمضان وتوحيده الأمة ثقافيا

د. بدران بن الحسن */

كل عام يهل علينا رمضان، ونعبر عن فرحتنا به، ونظهر الغبطة والحفاوة بهذا الزائر الكريم. وفي كل عام نحيي شعيرة الصوم ونعظمها أيما تعظيم؛ ينم عن أن في أنفس المسلمين بقية من «تقوى القلوب» ما دام الناس يعظمون شعائر الله تعالى.
في رمضان تتجلى رحمة الله على عباده؛ فترى الناس وقد أقبلوا على إحياء لياليه بالصلاة وقراءة القرآن والذكر، كما أنهم يصومون أيامه استجابة لنداء الله تعالى، وتلبية لدعوته التي دعاهم فيها بقوله: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (البقرة: 158)، واتباعًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان» (رواه أحمد).
وحديثنا في هذا المقام ليس عن أهمية الصوم، ولا عن أحكامه، ولا عن فضل الصائم القائم عند الله تعالى، وإنما أردنا أن نتوجه إلى جوانب مهمة من جوانب حياتنا؛ لرمضان عليها تأثير كبير. إنها: الجانب الثقافي، والجانب الاجتماعي، والجانب التربوي، والجانب الروحي في حياتنا. وكيف تتأثر هذه الجوانب بهذا الشهر الكريم. وبعبارة أخرى فإن لرمضان قيمه الثقافية والاجتماعية والتربوية والروحية التي يربينا عليها، ويصبغ الأمة كلها بها. ولنبدأ بالقيم الثقافية لرمضان المبارك.
تتجلى الوحدة الثقافية للأمة في هذا الشهر المبارك بصفة خاصة؛ ففيه تتحد الأفكار، وتتجه الأنظار إلى القرآن بشكل ملفت للنظر، بل حتى ذلك المسلم الذي لا يكاد يلمس المصحف طوال السنة، يلين جانبه، ويرق قلبه، حينما يرى مظاهر قراءة القرآن منتشرة في كل زاوية من زوايا المساجد والمصليات والبيوت، بل وحتى محطات الإذاعة والتلفزيون.
وفي هذا الشهر الكريم يتلو ملايين من المسلمين القرآن كما لم يتلوه في بقية أيام السنة، وتمتلئ المساجد بالمصلين على غير عادتها في الأيام الأخرى، وتتحد مواقيت الوجبات، بل وتتقارب نوعيات الأطباق في مختلف أقطار الإسلام، برغم بعد المسافات واختلاف الأجناس، وتباين الأعراف، وتغاير العادات.
إن هذا الشهر الكريم يصبغ المجتمعات الإسلامية بصبغة إسلامية، ويكون موسمًا تعظم فيه شعيرة من أكبر شعائر الإسلام، وقاعدة من قواعده الخمس. وفي هذا الشهر، لا تجد طوائف كثيرة من أبناء المسلمين ممن انساحوا خلف الأفكار البدعية والشركية والمنحرفة إلا الانضواء في الثقافة العامة للمجتمع؛ ثقافة رمضان، الشهر الذي يطغى ببركته على كل التعبيرات النشاز التي تعودناها في بقية السنة.
بل إنه رغم اختلاف أفراد الأمة في المشارب اللغوية والفكرية والعرقية والقومية وغيرها؛ فإن لرمضان سمته الخاص حتى على طريقة الأكل، والكلام، والصلاة، بل وطريقة تلاوة القرآن. ذلك أن رمضان يوحد أنماط الأكل وطرائقه في كل أقطار العالم الإسلامي، فتختفي الفردانية والعزلة، وتأتي المائدة المشتركة التي تجمع أفراد الأسرة الواحدة في جلسة تحفهم فيها سكينة رمضان، سواء أكان بالمائدة أكل شهي متنوع أم أكل متواضع قليل، لكن طريقة التناول وأوقاتها واحدة.
أما طريقة الكلام؛ فإن رمضان يمنح الصائم سمتًا من الهيبة وقلة الكلام والتزام الذكر، وتلك لعمري فائدة كبيرة تنسجم مع أهداف هذا الشهر الكريم في تربيتنا على ثقافة العمل وقلة الكلام. إن رمضان يعلم الناس الإنجاز العملي والإعراض عن الخوض فيما لا ينفع من القول. فهو يعلمنا «المنطق العملي»، لنتحول من القول وفق ما يقول القرآن إلى العمل بما يقول.
أما طريقة الصلاة؛ فإن رمضان يضفي على الصلاة نكهة خاصة، إذ تقل فيه صلاة الفذ، وتكثر فيه صلاة الجماعة، ويحرص فيه الناس على صلاة الصبح بعد أن نسوا أداءها في وقتها طيلة العام، كما أن النوافل تلقى حظها من العناية، وتقام الليالي ويحي الناس ليالي رمضان بالتراويح وقيام الليل. وبالرغم من أن كثيرا من أبناء المسلمين يحيون ليالي رمضان في لعبة الورق وغيرها من الملهيات، فإن كثيرا منهم بلا شك يجددون صلتهم بالمسجد، وبالجماعة، وبقيام الليل، وبإحياء النوافل.
أما القرآن؛ فإنه ينال الحظ الأوفر من العناية، فمن الناس من لا يقرأ القرآن أبدا خلال العام كله، غير أنه يجدد صلته بكتاب الله تعالى في هذا الشهر الكريم، بل ومنهم من لا يفك صلته بالقرآن بعد نهاية رمضان، ويستمر في صلته تلك، بعد أن أشرب قلبه حب القرآن وتلاوته في رمضان.
أما من جهة الآداب؛ فإن الثقافة الشرعية تجد لها طريقا إلى سلوك الناس خاصتهم وعامتهم، فتجد المسلم الصائم يجتنب جميع ما حرم الله عليه من الأقوال والأفعال، فيحفظ لسانه عن الكذب والغيبة والنميمة والسب والشتم وفحش القول، ويحفظ بصره عن النظر إلى المحرمات، ويحفظ أذنه عن الاستماع للحرام، ويحفظ بطنه عن كل مكسب خبيث محرم. وبذلك فإن رمضان يفرض نمط سلوكه على الناس، في طرائق اللباس والأكل والكلام كما قلنا، حفاظًا من الصائم على عدم انتهاك حرمة رمضان، وحرصًا أيضا على عدم ذهاب صومه، استجابة لقوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، وقوله: «الصيام جنة. فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم» (متفق عليه).
وبذلك فإن جوارح المسلم وعقله وروحه تتحد في وجهتها إلى الله تعالى من خلال التزام المسلم الصائم بمراقبة ظاهره وباطنه وعيًا منه وخوفًا من أن يكون ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش» (احمد وابن ماجه).
هذه بعض القيم الثقافية التوحيدية التي يغرسها رمضان في نفوس أفراد الأمة، ذلك أنه يوحد طرائق التعبير والأداء والأكل، ويوحد الآداب، ويعلي من شأن القيم ويعطيها صبغتها العاملة في النفوس أفرادًا ومجموعاً، بحيث إنك لو ذهبت إلى الجزائر أو الكويت أو السعودية أو حللت بماليزيا أو إندونيسيا أو قطر، أو زرت تركيا أو باكستان أو نيجيريا، أو صمت رمضان في غامبيا أو مالي أو موريتانيا أو اليمن، فإنك تلاحظ وحدة التعابير الثقافية التي يتحلى بها الناس في هذا الشهر الكريم في أي بقعة تعيش فيها جماعة من المسلمين.
ولهذا نقول: إن وحدة الأمة قد لا تظهر على مستواها السياسي أو الاقتصادي أو غيرها من المستويات، ولكن شعائر الله وأيامه تظهرها بجلاء ووضوح في قيمها الثقافية، أي في طرق تعبيراتها الفكرية والعلمية والسلوكية والعملية، أو بتعبير ابن نبي؛ في ثقافتها.
*مركز ابن خلدون للعلوم الاجتماعية والإنسانية/ جامعة قطر

عن المحرر

شاهد أيضاً

السؤال المسؤول في القرآن الكريم

د. بدران بن الحسن */ قبل يومين كنت في نقاش مع إحدى تلميذاتي، فسألتني عن …