الرئيسية | مساهمات | مؤلفـــــون وكُتــــاب قــــرأت لهـــم واستــفــــدت منهـــم/ الأستاذ أحمد توفيق الـمدني رحمه الله (1404-1317هـ / 1983-1899م)

مؤلفـــــون وكُتــــاب قــــرأت لهـــم واستــفــــدت منهـــم/ الأستاذ أحمد توفيق الـمدني رحمه الله (1404-1317هـ / 1983-1899م)

أ.د/ مسعود فلوسي*/

أول ما قرأت من مؤلفات العلامة الأستاذ الشيخ أحمد توفيق بن محمد بن أحمد بن محمد المدني -رحمه الله – وكنت حينها أزاول دراستي في المرحلة الثانوية؛ كتابه: “حياة كفاح” ذي الأجزاء الثلاثة، والذي سجل فيه مسيرته في الحياة خلال أزيد من ستين عاما، حيث تناول في الجزء الأول حياته في تونس منذ مولده سنة 1898 أو 1899 إلى تاريخ إبعاده منها إلى بلده الأم الجزائر سنة 1925، وسرد في الجزء الثاني ما عاشه من أحداث وما قام به من أعمال في الجزائر من سنة 1925 إلى اندلاع ثورة نوفمبر سنة 1954، وخصص الجزء الثالث للحديث عن الثورة التحريرية وما كان له فيها من إسهامات منذ انطلاقتها إلى نهايتها برحيل قوات الاحتلال الفرنسي سنة 1962،

وقد ذكر في مقدمة الجزء الأول أن هناك جزءا رابعا متعلقا بمرحلة ما بعد الاستقلال إلا أن هذا الجزء لم يظهر ولعله لم يؤلفه أصلا. وقد أثار كتاب “حياة كفاح” عند صدوره [الجزء الثاني منه بصفة خاصة] موجة من الردود الغاضبة والانتقادات اللاذعة من عدد من تلاميذ الإمام ابن باديس ورجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذين أنكروا على المؤلف ما نسبه إلى نفسه من أعمال وجهود في إطار جمعية العلماء، حيث كتب بعضهم مقالات نشرت في الصحف ومن هؤلاء الأستاذ محمد الصالح رمضان -رحمه الله – وانبرى أحدهم لتأليف كتاب كامل يرد به على المؤلف وهو الأستاذ محمد الطاهر فضلاء -رحمه الله – في كتابه: “التحريف والتزييف في كتاب حياة كفاح” الذي أصدرته دار البعث في قسنطينة سنة 1982م، وهو ما جعل الأستاذ توفيق المدني ينشئ كتابا جديدا رد فيه على هذه الانتقادات بعنوان: “رد أديب على حَمْلة أكاذيب”، لم يُتح له أن يُنشر في حياة المؤلف، وإنما نُشر بعد وفاته بمدة طويلة، حيث أصدرته دار البصائر في الجزائر العاصمة ضمن سلسلة الأعمال الكاملة للمؤلف سنة 2008م.
كان كتاب “حياة كفاح”ومكمله”رد أديب” من آخر ما ألف أحمد توفيق المدني رحمه الله، وقبل ذلك كان قد ألف ونشر العديد من المؤلفات التي كان جلها متعلقا بتاريخ الجزائر منذ أقدم العصور إلى العصر الحديث، كما كتب ونشر مئات المقالات في الصحف والمجلات في مختلف الشؤون السياسية والثقافية والتاريخية التي اهتم بها وعالجها.
ولعلّ أول مؤلفاته التاريخية صدورا هو كتاب: “قرطاجنة في أربعة عصور: من عصر الحجارة إلى الفتح الإسلامي”، الذي ظهر سنة 1927م، وقد أبرز فيه تاريخ الشمال الإفريقي منذ أقدم العصور إلى أن جاء الفاتحون المسلمون ونشروا الإسلام في ربوع هذه المنطقة، حيث بدأ الكتاب بمدخل وصف فيه بلاد المغرب من الناحية الجغرافية، وعرَّف بالعنصر البربري والأنواع المكونة له وعوائد البربر وحالة البلاد قبل التاريخ، ثم قسم الكتاب إلى أربعة أبواب سمى كل واحد منها كتابا، تحدث في الكتاب الأول عن “دولة قرطاجنة” وما مرت به من أطوار وما عرفته من رجال وما توالى عليها من أحداث، وتناول في الكتاب الثاني “قرطاجنة الرومانية” أي في ظل الاحتلال الروماني، وفي الكتاب الثالث “قرطاجنة الوندال”، وفي الكتاب الرابع “قرطاجنة البيزنطية”، وختم الكتاب بالحديث عن الفتح الإسلامي للشمال الإفريقي وما وقع فيه من أحداث. هذا الكتاب كان وما يزال رائدا في بابه فريدا من نوعه، وما من مؤلف طرق موضوعه إلا ورجع إليه ونهل منه.
أصدر بعده سنة 1932 الكتاب الذي جعل له عنوانا عاما: “كتاب الجزائر” وتحته عنوان فرعي شارح: “تاريخ بلاد الجزائر وجغرافيتها الطبيعية والسياسية وعناصر سكانها ومدنها ونظاماتها وقوانينها ومجالسها وحالتها الاقتصادية والعلمية والاجتماعية”، وهو كتاب تاريخي موجز أحاط فيه بتاريخ الجزائر منذ أقدم العصور إلى سنة تأليف الكتاب، وقصد من تأليفه تعريف الجزائريين بحقيقة بلادهم وشخصيتها ومراحل تاريخها سياسيا وثقافيا واجتماعيا، كما فصل القول في المعطيات والخصائص الجغرافية للبلاد والعناصر المكونة لها والثروات التي تزخر بها وحالتها في ظل الاحتلال الفرنسي من جوانبها المختلفة.
وفي سنة 1937 أصدر الأستاذ أحمد توفيق المدني كتابه: “محمد عثمان باشا داي الجزائر: سيرته وحروبه وأعماله ونظام الدولة والحياة العامة في عهده”، عقد في أوله تمهيدا حول دراسة تاريخ العهد التركي بالجزائر وما يكتنفها من جدل وما يتعلق بها من نقاش وأخذ ورد، ثم قسم الكتاب إلى أربعة أقسام، أورد في القسم الأول “خلاصة عن الولاة والحوادث في العصر التركي”، وقدم في القسم الثاني ترجمة مفصلة وشاملة لداي الجزائر ما بين 1766 و1791 “محمد عثمان باشا”، وخصص القسم الثالث لإيراد “مقتطفات من (دفتر تشريفاته) الرسمي سجلت في عهد محمد عثمان باشا رحمه الله”، أما القسم الرابع والأخير من الكتاب فهو عبارة عن ملحق تضمن “مقتطفات من مذكرات فونتير دي بارادي المتعلقة بهذا العصر”. وقد كان هذا الكتاب “أول كتاب أماط اللثام عن حقيقة الوجود العثماني التركي في هذه البلاد، ونسف تلك الخرافات والأكاذيب التي اختلقها الاستعمار من أجل تشويه هذا الوجود”، كما عبر المؤلف نفسه في كتاب آخر.


تلا هذا الكتاب، كتاب آخر حمل عنوان: “المسلمون في جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا” صدر سنة 1946، وقد قسمه إلى تسعة أبواب حملت العناوين التالية على التوالي: وصف جزيرة صقلية، موجز تاريخ صقلية، أمهات المدن والمعالم والآثار، الحكم الإسلامي الأغلبي، الحكم الإسلامي الفاطمي، عصر الاستقلال الذاتي، صقلية الإسلامية تحت الحكم النرماني، التمدن والعمران، العلوم والآداب.
ونظرا لحاجة تلاميذ مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى كتب تغطي مقرراتها الدراسية، ألف الأستاذ توفيق المدني كتاب: “جغرافية القطر الجزائري للناشئة الإسلامية” سنة 1948، ونظمه في ثلاثة أقسام، تناول في الأول منها “الجغرافيا الطبيعية”، وفي الثاني “الجغرافيا الاقتصادية”، وخصص القسم الثالث “للجغرافية السياسية”.
وفي سنة 1950، نشر الأستاذ توفيق المدني روايته التاريخية الممسرحة “حنبعل” بعد أن كان قد ألفها قبل ذلك وتم تمثيلها على مسرح الأوبرا في الجزائر منذ سنة 1948.
بعد اندلاع ثورة أول نوفمبر التحريرية توجهت الجهود إلى التعريف بها إعلاميا وحشد الدعم والمساندة السياسية والمادية لها، وفي هذا السياق ألف الأستاذ توفيق المدني كتابه: “هذه هي الجزائر” بعد التحاقه بالقاهرة سنة 1956 بصفته عضوا في البعثة الخارجية لجبهة التحرير الوطني، وقد جاء تأليف هذا الكتاب بناء على طلب من الأستاذ محمد فؤاد جلال سكرتير عام مجلس الخدمات ورئيس مؤتمر الخريجين العرب، وأصدرت الكتاب مكتبة النهضة المصرية، حيث طبعت منه آلاف النسخ نفذت في فترة وجيزة جدا، بالنظر إلى تعطش الناس لقراءة كل ما يتصل بالثورة الجزائرية التي كانت حينئذ حديث الساعة في وسائل الإعلام ومنابر السياسة في العالم كله عموما والعربي خصوصا، وقد تضمن الكتاب تعريفا شاملا بالجزائر جغرافية، وسكانا، وتاريخا منذ أقدم العصور، كما تضمن عرضا لما تعرضت له الجزائر من ظلم وعدوان واحتلال من قبل الفرنسيين، وما قام ضد هذا الاحتلال من ثورات ومقاومات وحركات منذ بداياته الأولى إلى منتصف القرن العشرين، وأخيرا التعريف بثورة نوفمبر وأسبابها وأهدافها ووقائعها الأولى في مختلف مناطق البلاد.
وبعد استقلال الجزائر، عاد الأستاذ توفيق المدني من جديد إلى البحث التاريخي المتعمق، فأنجز كتاب: “حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا” الذي أصدره سنة 1968، وقد تناول فيه بالدراسة تاريخ الجزائر في العهد العثماني وما شهدته خلاله من غزو صليبي استدماري من قبل إسبانيا ظل متتابعا طيلة ثلاثة قرون (1492-1792م)، وقد فصل في مقدمة الكتاب الأسباب التي دعته إلى تأليفه وإفراده لهذا الموضوع تحديدا، كما بين معالم المنهج الذي سلكه في تأليفه وبناء موضوعاته. استهل المؤلف كتابه بتمهيد طويل أبرز فيه الخلفية التاريخية للعلاقات الجزائرية الإسبانية، ثم قسم الكتاب إلى تسعة عشر فصلا، جاءت عناوينها متتالية كما يلي: صبغة العدوان الإسباني وأسبابه المباشرة، العدوان الإسباني قبل النجدة التركية، العدوان الإسباني بعد النجدة التركية، رد الفعل العنيف، شخصية خير الدين، تلاعب الإسبان بعرش تلمسان أواخر بني زيان، غزوة شارلكان الكبرى للجزائر وانكساره الشنيع، حسان بن خيرالدين، صالح رايس بطل الوحدة والجهاد، حسان بن خير الدين من جديد، قلش علي المجاهد العظيم، ما بين الصليبيتين، شعراء الجزائر يستثيرون الحكومة والشعب، النظام الاستعماري الإسباني في وهران، الفتح الأكبر وإنقاذ وهران، الصليبية الإسبانية الثانية: استرجاع وهران، الصليبية الثانية: انتصار الجزائر الأكبر، الصليبية الثانية: صد العدوان البحري، فصل الخطاب وتصفية الحساب. بين المؤلف في هذا الكتاب “أجلى بيان حقيقة الوجود العثماني بالبلاد الجزائرية، وهي أن ذلك الوجود ما كان إلا فترة بطولية من تلك الملحمة الرهيبة التي شنتها أوروبا الصليبية ضد الإسلام، مبتدئة بدولة الأندلس ذات المدنية الشامخة والعمران الذريع، مولية وجهها بعد ذلك شطر الديار الإسلامية بالشمال الإفريقي وكانت دولها واهية، ونظامها مختل، وشعبها المناضل لا يجد الحاكم الصالح ولا الزعيم الذي يرفع راية الجهاد أمام العدو الغاصب القوي، وكان ذلك العدو الذي التفت حوله راية المسيحية هو إسبانيا”.
وكان آخر ما صدر للأستاذ أحمد توفيق المدني رحمه الله سنة 1974، قبل أو بالتزامن مع الجزء الأول من مذكراته “حياة كفاح”؛ كتاب “مذكرات الحاج أحمد الشريف الزهار نقيب أشراف الجزائر 1168-1246هـ / 1754-1830م”، هذا الكتاب الذي حققه الأستاذ توفيق المدني، ألفه أحد أشراف الجزائر في العهد العثماني وأرخ فيه لعهود عدد من الحكام العثمانيين في الجزائر.
في شهادة أدلى بها ودوَّنها الشيخ عبد الرحمن الجيلالي -رحمه الله – والتي أبرز فيها مزية الأستاذ توفيق المدني على تاريخ المغرب العربي عموما وتاريخ الجزائر خصوصا، يقول: “لولا المدني ما عرف قراء العربية من أبناء هذا الشعب تاريخهم القديم، ولا عرفوا تاريخ بلادهم الزكية في قديم الزمان، ولا عرفوا وضعية بلادهم جغرافيا ولا سياسيا ولا طبيعيا، فبفضل المدني عرف طلاب المدارس العربية وغيرهم كل ذلك، فكان له في هذا المضمار – رحمه الله – القدم السابقة والمزية الظاهرة” [مجلة التاريخ، الجزائر، ع 18، 1985م، ص 26].
هذه المؤلفات أتيح لي أن أطالع جلها وأستفيد منها ما شاء الله لي أن أستفيد في مراحل مختلفة، ويمكنني أن أقول: إن مما ميز الكتابات التاريخية للأستاذ أحمد توفيق المدني رحمه الله، إلى جانب ريادتها وتفردها وسبقها، مجموعة من المزايا والخصائص:
أولا: الجمع بين اللغة التعليمية البسيطة التي يفهمهما العام والخاص من جهة، والبحث التاريخي المعمق الدقيق من جهة أخرى.
ثانيا: الأسلوب الجذاب الأنيق الفخم الذي تغلب عليه روح الخطابة وما تحمله من قوة، فهو يخاطب القارئ كأنه يسمعه ويتابع حركاته ويميز نبرات صوته، مما يجعل أفكار المؤلف تنفذ إلى قلب القارئ وعقله بسهولة ويسر، وتحقق مبتغاه منها من أقصر طريق.
ثالثا: الإيجاز والإجمال، والتركيز على الأهم فالمهم، دون الخوض في تفاصيل لا يستفيد منها القارئ ولا تنفعه في شيء، فالمؤلف يقصد من وراء مؤلفاته تلك إلى تحقيق أهداف تاريخية وحضارية وثقافية محددة، وذلك يقتضي التحديد والمباشرة وسلوك أقرب السبل وأسهل الطرق.
هذا، وعلى الرغم من هذه المزايا التي تفردت بها الأعمال التاريخية للأستاذ أحمد توفيق المدني، إلا أنها لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه من قبل الباحثين والدارسين وطلاب الدراسات التاريخية الجزائرية، ولم تكن محلا لدراسات جامعية تتناولها بالعرض والتقييم والتعمق في منهجها ومضمونها، بل إن شخصيته الفذة الثرية نفسها لم تكن محلا للدراسة والبحث، حيث لم نقف سوى على دراسة جامعية واحدة هي عبارة عن رسالة ماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر بعنوان “أحمد توفيق المدني ودوره في الحياة السياسية والثقافية بتونس والجزائر 1899-1983″، أعدها الباحث عبد القادر خليفي تحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد الكريم بوالصفصاف رحمه الله، ونوقشت في جامعة قسنطينة سنة 2007م. كما كتبت عنه مقالات علمية قليلة انصبت حول بعض أعماله التاريخية ومنهجه فيها، ظهر بعض هذه المقالات في العدد الذي خصص له من مجلة التاريخ بعد وفاته، وصدر البعض الآخر منها في مجلات جامعية جزائرية. وكل ذلك لا يرقى إلى أن يكون في مستوى مكانة الرجل وجهاده وجهوده وبحوثه ومؤلفاته التاريخية الرائدة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مؤلفـــــون وكُتـــــاب قـــرأت لهـــم واستفــــدت منهــــم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله (1880 – 1937)

أ.د/ مسعود فلوسي*/ الأديب الكبير، والكاتب البليغ، والشاعر المُجيد، والناقد الفذ، والفارس المقدام في الدفاع …