الرئيسية | على بصيرة | نحـــو ترميــم جـــدران لغتنــا الـمرقــعــة

نحـــو ترميــم جـــدران لغتنــا الـمرقــعــة

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

المجد لنواب مجلس الأمة الذين استيقظوا بعد سبات طويل، وأدركوا أن اللّغة العربية باتت في موقع ذليل، أمام لغة المستعمر المحتل الدخيل.
والمجد -أيضا – لوزير التجارة، في حكومتنا «الموقرة» الذي عاد إلى الذات، على وقع تعدد الصيحات، والنداءات، فسلم بضرورة تعريب الإعلام ألإشهاري، وتأصيل عناوين الإنتاج التجاري.
فمجد النائب، أنه أدرك -ولو بعد فوات الأوان – أنّ اللغة العربية، في الجزائر، وهي العقيلة الحرة، قد زحزحت من الألسن، والمحلات لصالح الضرة المعتدية بالأحرف وبالكلمات.

أما مجد الوزير، فهو أنه قد وعى أخيرا، أنّ المواطن التاجر الذي يهين لغته، إنمّا يفعل ذلك إذ يدوس قيمه وسيادته، وحكومته، لذلك بادر وزير التجارة الحازم، بإصدار الموقف الحاسم، وهو الإعداد لإصدار الإجراءات الردعية الموجعة، لترميم جدران لغتنا العربية المرقعة.
لكن الويل كلّ الويل لمن ثارت ثائرتهم لهذا القرار، من بعض الأبالسة الأشرار، الذين وصفوا الوزير، بعد إعلانه لهذا القرار، بأنّه يعاني أزمة عطالة في الأفكار.
أَوَصَلَ الحال، إلى هذا المستوى من الانسلاب لدى البعض، بأنّ كلّ من يحافظ على الأصالة، ويوعي المواطنين بخطورة العمالة، يصنف ضمن الحثالة؟ فأين العدالة؟.
يحدث كلّ هذا، في زمن نحتفل فيه بانقضاء ست عقود من الاستقلال، ورفع شعار الوفاء للشهداء، والعلماء، والمجاهدين الأبطال.
ويحدث هذا، في وقت، تلوثت فيه البيئة والمحيط، وتغرّب فيه الإنسان والمخيط، وصار المجتمع الجزائري، يتلذذ في نوم الانسلاب والغطيط.
فهل آن الأوان، لأن تعود الجزائر إلى ذاتها، فتزيل القيح الثقافي، والوسخ الخرافي، من حقولها وعقولها، ومحلاتها وإداراتها؟
وما هو مطلوب منا الآن، هو بالإضافة إلى تزيين المحلات بالحرف العربي الأصيل، أن يتضمن ذلك أيضا، اللفظ العربي النبيل حتى يشيع في البيئة تعريب المحيط، فيتربى الناشئة، وسط مناخ ثقافي نشيط ووسيط.
كما أن المطلوب منا –أيضا – هو أن نقضي على بقايا لغتنا المرقعة، التي هي كثوب ضمّ سبعين رقعة، مشتتة الألوان مختلفات.
نريد للعربية التجارية، وهي التي تتعامل مع سواد الشعب، أن تقدم له، لغة راقية المصطلحات، سليمة القواعد والرسم، والشعارات.
ومادامت الأمازيغية قد أصبحت لغة وطنية ورسمية، فنريدها أن تكتب وهي شقيقة لغة الضاد، أن تكتب بحرف لغة الضاد، حتى نقتلعها من مخالب الأكاديمية البربرية، ومن الاستعمال الضيق لدعاة الانفصالية، ريثما يحسم الأكاديميون في توحيد لهجاتها، وتحديد مضامينها وعباراتها.
آن لنا –إذن – أن نتنفس الصعداء، بعودة المحيط التجاري، إلى أصله الوطني، فيتسم باللياقة، واللباقة، والأناقة، ويشعر المواطن، والزائر، والسائح أن:
شعب الجزائر مسلموإلى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصلهأو قال مات فقد كذب
إنّنا بذلك نكون قد أدينا –على أحسن وجه – رسالة الشهداء، وحلم المجاهدين من العلماء، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصرالله، ينصر من يشاء.
أما اتخاذ الإجراءات الردعية الموجعة للمخالفين، فنعتقد أنّها آخر ما يمكن من الإجراءات، وأن آخر الدواء الكي كما يقول المثل العربي.
يجب أن يسبق ذلك كله، الإجراء التوعوي فنخاطب في التاجر، روحه الوطنية، وقناعته الإسلامية، مذكرين إياه، بأن تفضيل لغة المستعمر على لغته، أو كتابة لغته تحت اللغة الأجنبية، هو الموالاة للمستعمر بالذات.
كما نوعي المواطن الزبون، بأن يكون الفرز بين التاجر والآخر، على أساس الالتزام بالمعايير الوطنية، وإن دعت الحاجة إلى مقاطعة، من يصر على عدم الالتزام بتطبيق الإجراء الثقافي الوطني.
هذا، ونذكر بأن تعريب المحيط، إن هو إلا جزء من تعريب السجلات ومعالم التخطيط، ولكن ينحق هذا: يجب أن يصحبه تكوين في الثقافة، وتطبيق في الرقمنة، ونوع من الانفتاح على اللغة الإنجليزية أو الصينية فهما لغتا العلم والعالم، ولغتا الرقمية والإستراتجية فنحن مدعوون إلى دخول العالم المعاصر من بوابته الرئيسية، وهي الأصالة الوطنية، والنظريات العلمية، والواقعية الرقمية.
ومن هنا فإننا نناشد كل الفاعلين في الساحة، بدء بالمواطنين الأحرار أينما كان موقعهم، ومرورا بالتجار الأخيار كيفما كان نوع عملهم، وانتهاء بالحكام الأطهار، مهما تكن مستويات مسؤوليتهم، أن الجميع مدعوون إلى ضرورة العمل المشترك لإنقاذ الوطن مما يعانيه، وإعادة الأمل الحقيقي لمواطنيه، والقضاء على كل أنواع القبح بجميع أنواعه، وألفاظه، ومعانيه.
إنّنا نريد للشعارات المرفوعة، في بناء جزائر جديدة مسموعة، أن تُنَزَّل هذه الشعارات على واقع الوطنية المطبوعة، والقيم الإنسانية العالة المتبوعة.
فيا بني قومي! إنّ المعركة الثقافية التحريرية التي تخوضها الجزائر اليوم، من أجل تحرير المقومات والعودة إلى الذات هي معركة لا تقل قدسية وضراوة عما قام به جيل نوفمبر بالذات.
ولئن بذل الأولون دماءهم، وهو أغلى ما يملكون، فليبذل جيل اليوم الحبر والتبر والأموال والأعمال، وذلك لترميم لغة البلاد، وسلوك العباد، وتجسيد قدسية الجهاد، والوفاء لقيم معنى الاستشهاد.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإسلام والمسلمون في فرنسا: صور من المعاناة

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ عجبت للعقل الفرنسي، الذي كان يزعم …