الرئيسية | الحديقة الأدبية | خزانة الأدب/ طرفٌ من نوادر بشار بن برد

خزانة الأدب/ طرفٌ من نوادر بشار بن برد

ممن حملت له كتب الأدب جوانب من فن السخرية، الشاعر العباسي الكفيف بشار بن برد، الذي عاش بين الدولتين الأموية والعباسية واشتهر في الشعر، ومدح وهجا، ونال الجوائز من الخلفاء والقادة والأمراء، وله نوادر شهيرة في فن السخرية حملتها إلينا كتب الأدب وعلى رأسها كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني. فقد روي أنه بينما كان بشار ينشد الخليفة المهدي قصيدة يمتدحه بها،إذ دخل المجلس يزيد بن منصور الحميري (وهو خال الخليفة المهدي) وكان شيخاً فيه غفلة، فأقبل على بشار وقال له:
يا شيخ، ما صناعتك؟
فقال: بشار:
أثقب اللؤلؤ، فضحك المهدي وقال لبشار:
اعْزُب (أي أبعد) ويلك!! أتتنادر على خالي!!
فقال بشار:
وما أصنع به، يرى شيخاً أعمى ينشد الخليفة شعراً ويسأله عن صناعته؟!.
ويروى أنه كان يحشو شعره إذا أعوزته القافية والمعنى بأشياء لا حقيقة لها، فمن ذلك أنه أنشد يوماً قوله: غنِّني للغريض يابن قنان؛ فقيل له: مَنّ ابن قنان هذا؟ لسنا نعرفه بين المغنين في البصرة؟!
فقال بشار: وماعليكم منه؟ ألكم عليه دَيْن فتطالبوه به؟ أو ثأر تريدون أن تدركوه؟ أو كفلت لكم به فإذا غاب طالبتموني بإحضاره؟
فقالوا: ليس بيننا وبينه شئ من هذا، وإنما أردنا أن نعرفه، فقال: هو رجلٌ يغنِّي لي ولا يخرج من بيتي، فقالوا له: إلى متى؟ فقال: منذ يوم وُلد إلى يوم يموت!.
وسئل بشار مرة عن تفاوت شعره، فمرة يكون جزلاً قوياً، ومرة يكون ضعيفاً رخياً، فقيل له: إنك لتجئ في شعرك بالشيء الهجين المتفاوت، فقال بشار: وماذاك؟ فقيل له: بينما تقول شعراً تثير به النقع، وتخلع به القلوب، مثل قولك:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية
هتكنا حجاب الشمس أو تقطر الدِّما
إذا ما أْعرنا سيداً من قبيلة
ذرى منــــــبر صلى عليــــــــنا وسلّما

تقول:
ربابة ربَّةُ البيت
تصُبُّ الخلَّ في الزيت
لها عشرٌ دجاجات
وديك حسن الصَّوت
فقال بشار: لكل شيء موضع ووجه، فالقول الأول جدّ، وهذا القول قلته في جاريتي ربابة، وأنا لا آكل البيض من السوق، وربابة هذه لها عشر دجاجات وديك، فهي تجمع لي البيض وتحفظه عندها، فهذا القول عندها أحسن من:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
يعني أفضل عندها من معلقة امرئ القيس أمير شعراء الجاهلي!.
ويروى أنه مَرّ برجل قد رفسته بغلته وهو يقول: الحمد لله شكراً، فقال له بشار: استزده يزدك!.
ويروى عنه صاحب الأغاني أن خادمه سجل عليه ضمن حساب نفقته مبلغ عشرة دراهم ثمن جلاء مرآته، فصاح به قائلاً: والله ما في الدنيا أعجب من جلاء مرآة أعمى بعشرة دراهم، والله لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم!!
ويروى أن امرأته قالت له: ما أدري لم يهابك الناس مع قبح وجهك؟! فقال لها:
ليس من حُسْنه يُهاب الأسد.
فقه بُرد أغيظ لنا من شعر بشّار
ويروى عنه صاحب الأغاني أنه كان يقول الشعر منذ صغره، فيتعرض للناس بالهجاء، فإذا هجا قوماً جاءوا إلى أبيه برد فشكوا إليه بشاراً، فيضربه أبوه ضرباً شديداً، فكانت أمه تقول: كم تضرب هذا الصبيَّ الضرير، أما ترحمه!! فيقول: بلى والله إني لأرحمه ولكنه يتعرض للناس فيشكونه إليَّ، فسمعه بشار فطمع فيه فقال له: يا أبت إن هذا الذي يشكونه مني إليك هو قول الشعر، وإني إن ألممت عليه أغنيتك وسائر أهلي، فإن شكوني إليك فقل لهم: أليس الله يقول: ليس على الأعمى حرج.
فلما عاودوه الشكوى قال لهم بُرد ما قاله بشار، فانصرفوا وهم يقولون: فقه برد أغيظ لنا من شعر بشار»!.
وكان بشار بن برد سميناً بديناً، وتروي المصادر أن أحد الكوفيين مَرّ به وهو منبطح على الأرض في دهليزه كأنه جاموس، فقال له: يا أبا معاذ، من القائل:
في حُلَّتي جسم فتى ناحل
لو هبَّت الريح به طاحا
فقال بشار: أنا، فقال الكوفي: فما حملك على هذا الكذب؟ والله إني لأرى أن الله لو بعث الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ما حركتك من موضعك!! فقال بشار: من أين أنت؟
فقال الرجل: من أهل الكوفة، فقال بشار: يا أهل الكوفة لا تدعون مقتكم وثقلكم على أي حال!.
أعمى يقود بصيراً
ويروي عنه صاحب الأغاني أنه سخر برجل مبصر، أتاه يسأله عن منزل رجل كان بشار يعرفه، فجعل بشار يصف للرجل بيته ويفهمه وهو لا يفهم، فأخذ بشّار بيده وقام يقوده حتى أوصله إلى منزل الرجل وهو يقول:
أعمى يقود بصيراً لا أبا لكموا
قد ضلَّ من كانت العميان تهديه!!
ويروى أنه وقف عليه بعض الماجنين وهو ينشد الشعر فقال له: استر شعرك هذا كما تستر عورتك، فغضب بشار وصفّق بيديه وقال للرجل: مَنْ أنت ويلك؟ فقال: أخوالي من سلول، وأصهاري عُكَل، واسمي كلب، ومولدي بأضاخ، ومنزلي بنهر بلال، فضحك بشار ثم قال:
اذهب ويلك!! فأنت عتيق لؤمك، قد علم الله أنك استترت مني بحصون من حديد!.

عن المحرر

شاهد أيضاً

قطوف من رائعة الأجنحة المتكسرة/ الكآبــــــــــــة الخرساء

أنتم أيها الناس تذكرون فجر الشبيبة فرحين باسترجاع رسومه، متأسفين على انقضائه، أما أنا فأذكره …