الرئيسية | في رحاب الشريعة | واقــــــــــع تعـــــدد الآراء بين اجتهــــاد الحكماء وفقــــه الفقهاء

واقــــــــــع تعـــــدد الآراء بين اجتهــــاد الحكماء وفقــــه الفقهاء

الشيخ محمد مكركب أبران/

إشكالية هذا المقال هي: استفحال الخلاف والاختلاف بين المؤمنين، وكثير منهم وقع في مغالطة حسبوها هينة سليمة، وهي في أخطارها عظيمة وأليمة، والمغالطة هي قول بعضهم: اختلاف التضاد، واختلاف التنوع، في حين أن كل اختلاف مذموم، وقولهم الاختلاف في أصول الدين هو المنهي عنه، أما الاختلاف في السياسة، والفقه، فذلك ظاهرة صحية، هم يقولون هكذا! والقضية قضية مصطلحات، وتوظيف الكلمات، وليس المقتضى أن يتساوى الناس في الرأي والفهم والمعلومات، ومن ثم فالعلماء يجتهدون ويرون في المسألة، ويفتون وفق مقدار العلم الذي عند كل واحد منهم، ووفق الفهم الذي فهموه من علمهم،. ولَمَّا صَدَّقُوا بالاختلاف السياسي وأنه روح الديمقراطية كما قالوا. صار عندهم كل رأي مسموحا به، حتى ولو كان مخالفا للدين، أو معاكسا لكل ما أجمع عليه العلماء المسلمون،؟! وبسبب اعترافهم وتصديقهم باختلاف التنوع كما قالوا، لم يبق الانقسام في المذاهب الفقهية، بل انتقل إلى المذاهب الإيمانية وسموها الفرق، وانتقل مرض الانقسام إلى السياسة وانقسموا إلى أحزاب، فصار في مجتمع المؤمنين أحزاب وفِرَقٌ ومذاهب وطوائف، وكلهم يشهدون أنهم مسلمون، فصار عندهم المسلمون أنواعا وأقساما وطبقات، وتكتلات. وبما أن الموضوع يحتاج إلى شرح وتبيان واستدلال وبرهان، سنبدأه بدراسة فكرية وجيزة بسيطة عن مفهوم {الرأي} ثم مفهوم{الاختلاف} ثم العلاقات الأسرية، مرورا بحالة الزوجين في الأسرة، والرفاق والشركاء في التجارة، إلى أن نصل إلى علاج الخلافات السياسية، في مقالات متتالية، إن شاء الله تعالى، وهو الهادي إلى الصراط المستقيم.
وسنخصص هذا المقال لمفهوم الرأي. ما هو الرأيُ؟ ومن هو الذي يرى في المسائل، أو له رأي،؟؟ ومن يستحق أن يُنَاقَشَ رأيُه؟
الرأي والجمع آراء، يطلق على الإصابة في التدبير بعد النظر والتفكير بالعلم لا بالهوى، ومن يستعمل القياس والمنطق العلمي والاستدلال بالعقل، في المسائل الفقهية يطلق عليهم أهل الرأي، كأهل العراق في تاريخ الدراسات الفقهية، ورائدهم أبو حنيفة النعمان رحمه الله (80 ـ 150)، إمام الفقهاء. فالذي له الرأي. هو الذي له علم في المسألة، وخبرة، وله دليل شرعي مجمع عليه في مفهوم مدلوله، من الكتاب أو من السنة، وأن يكون مشهودا له من العلماء الأقطاب بأنه من أهل العلم والحكمة. فالرأي رأي العالم الذي له قدرة الفهم والاستنباط، مع الإلمام الكامل بحيثيات الموضوع، وأبو حنيفة رحمه الله لا يخالف اجتهاد العلماء، ولا يختلف معهم، إنما يجتهد كما اجتهدوا، وهكذا كل عالم وفقه الله تعالى إلى امتلاك أدوات الاجتهاد، فاجتهد في طريق البحث الصحيح، فأضاف فرعا من أصل شجرة واحدة هي الشريعة التي لا تتغير أحكامها ولا تتبدل أصولها.
فلما قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم:﴿إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ (النساء:105) وجب حينها تفويض الحكم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، ليقضي بين الناس بالحق والعدل حسبما علّمه الله وأوحى إليه، سواء بالنص الصريح أو بالاجتهاد الصحيح، والرأي المعتمد على أصول التشريع. فمعنى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ﴾ (يعني بما عَلَّمَكَ اللَّهُ)، وكذلك (يعني بما أَعْلَمَك الله، وبما عَرَّفك.)
وفي لسان العرب لابن منظور (630ه ـ 711ه) قال: {والرَّأْيُ: معروفٌ، وَجَمْعُهُ أَرْآءٌ،. والمُحَدِّثون يُسَمُّون أَصحابَ القياسِ أَصحابَ الرَّأْي يَعْنُون أَنهم يأْخذون بآرائِهِم فِيمَا يُشْكِلُ مِنَ الْحَدِيثِ أَو مَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ حَدِيثٌ وَلَا أَثَرٌ. والرَّأْيُ: الاعتِقادُ، (أي: بأن المسألة كذا تكون أو تصح كذا.)} (لسان العرب)
فمن هو الذي يُسْمَعُ لَهُ ويُنَاقَشُ؟ ويُعْتَدُّ بِرأيه ويُقَال عنه قَالَ فلانٌ في الْمَسالة الفلانية؟ فالرأي قوامه وأساسه: العلم والحكمة والخبرة، ثم الصدق والأمانة والإخلاص. قال الله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سورة سبأ:6) وقال تبارك وتعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة آل عمران:18) قال محمد بن أحمد القرطبي رحمه الله (توفي: 671): {فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ، وَشَرَفِ الْعُلَمَاءِ وَفَضْلِهِمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَشْرَفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَقَرَنَهُمُ اللَّهُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ مَلَائِكَتِهِ كَمَا قَرَنَ اسْمَ الْعُلَمَاءِ} (4/41). وبيان الرأي وأهله إنما يكون في باب الاجتهاد، كما هو الحال في العمران والصناعات والحرب والتسيير، ولا رأي فيما فيه نص شرعي أو إجماع العلماء. ومثال ذلك رأي الحباب ابن المنذر بن الجموح من بني سلمة، يوم بدر.
{ففي يوم بدر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أدنى من ماء بدر نزل به، فجاءه الحباب بن المنذر بن الجموح، وكان معروفا بجودة الرأي والدربة في الحروب، فقال: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل؟ أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة، قال: فإن هذا ليس لك بمنزل، فانهض حتى نأتي أدنى قليب القوم فننزله ثم نغور ما سواه من القلب ثم نبني.} (السيرة النبوية وأخبار الخلفاء- لابن حبان، محمد بن أحمد بن أبي حاتم السبتي (354 هـ. 965م.) 1/166.
فليس أي واحد يقوده هواه إلى فكرة يقال له رأي، ويقولون: (هذا اختلاف تنوع)، و(الرأي، والرأي المخالف). فكم من جماعات خرجت على الأمة وأحدثت فتنا كقطع الليل المظلم، من فتن القتل والتدمير، والخراب والعداوة وتمزيق الأمة، ثم وفي الأخير، يقال: لابأس هؤلاء اجتهدوا، وهؤلاء اجتهدوا، هؤلاء لهم رأي في القضية، وهؤلاء لهم رأي؟!! فالرأي بالعلم بالدليل بالبرهان، ثم بأخلاق العلم. إذا أردت رأيا فاقصد عالما مشهودا له بالعلم وبالتزامه بإجماع العلماء،. وتدبروا قصة هذا الصحابي، وهو{ابْنُ الْعَلَاءِ} جامع امرأته في رمضان، فأخبر بعض من عرفهم، فأخبروه بأنه هلك ولا مخرج له.قال: فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: قَالَ لي: «حَرِّرْ رَقَبَةً»، قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَهَا، قَالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قَالَ: وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلَّا مِنَ الصِّيَامِ، قَالَ: «فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ بِتْنَا وَحْشَيْنِ مَا لَنَا طَعَامٌ، قَالَ: «فَانْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ، فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَهَا»، فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي، فَقُلْتُ: وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ، وَسُوءَ الرَّأْيِ، وَوَجَدْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّعَةَ، وَحُسْنَ الرَّأْيِ.] (أبوداود.2213) محل الشاهد: قوله: {وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ، وَسُوءَ الرَّأْيِ، وَوَجَدْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّعَةَ، وَحُسْنَ الرَّأْيِ} تدبروا هذا الفقه لو أن كل شبابنا يتربون في تدريبات مركزة في فهم هذه القيم الفكرية ومقاصدها، تحت إشراف فقهاء حكماء، لما رموا بأنفسهم في البحر في هجرات غير شرعية، أو في الحرابة واللصوصية، أو في المخدرات والفواحش الجاهلية. فالذي يريد رأيا، أو نصيحة، يسأل أهل العلم، ولا يكتفي بصديق مُغْرِض، أو برأي شيخ مُحَرِّض، إنما توزن الأمور بميزان الشرع، ومنطق العقل، مما أجمع عليه علماء الأمة من الصحابة إلى يومنا هذا، فليس كل ذي نشوة يرفع عصاه على هواه، مُنَوِّهاً بمن سايره واتبع نَشْوَاه. وعلينا أن نعتبر بمن سبقونا في التاريخ من الصحابة وسائر العلماء، فلنتدبر القرآن، والقصص والسِّيَر، وما حدث عبر الزمان من المواعظ والعبر، فعن الأَعْمَشَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ، قلت له: شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، يَقُولُ: [اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا، إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا] (البخاري . 3181)

عن المحرر

شاهد أيضاً

التكافل المجتمعي أعظم أساس في بناء الدولة القوية

الشيخ محمد مكركب أبران/ إن الأسس الكبرى لبناء الدولة نجملها فيما يلي: الأساس الأول: الحاكم …