الرئيسية | الحـــق الـمر | المغامرون والمقامرون…

المغامرون والمقامرون…

يكتبه د. محمّد قماري/

كنت في إحدى المناسبات أتحدث إلى صديق، ومما جاء في حديثي أنني أتوجس وأشفق على نفسي من بعض المسؤوليات، وأشفق أكثر من حال آخرين يتكالبون على (الظفر) بمنصب فيه تبعات كبيرة، وإنني لأعجب من حال هؤلاء، وأعجب أكثر من حال وضع عام جعلهم يستصغرون العظائم، ولا يرون فيها إلا سفرا قاصدا ومغانم سهلة…
قال صديقي: أنا أشدُّ تعجبًا من عجبك، وأكثرُ اشفاقًا على نفسي أمام تلك المسؤوليات، وأضاف أتذكر يوم فتح باب الترشح للرئاسيات، فقد أبدى كثير من السوقة والحمقى تطلعهم لتولي شؤون البلاد والعباد، وهذا حال الدنيا فذوو العقول الكبيرة يقدرون الأمور حقَّ قدرها، فيحجمون، ومنهم في مدارك الأطفال يظنون أن كل ما يظهر أمامهم يصلح أن يكون لعب يزجون بها أوقاتهم…
قلت له صدقت!
إن الإنسان يدرك كثيرا مما حوله بحواسه بـحاسة (البصر)، لكن الحكم عليها وتقويمها يحتاج إلى حاسة العقل (البصيرة)، وكما أن من يشكو ضعفا في حاسة البصر يكون ادراكه لدقائق الأمور مشوشًا، فإن ضعاف العقول تكون بصيرتهم قاصرة عن الاستكشاف الصحيح والحكم المنضبط على الأمور، ولذلك حجر القرآن الكريم على السفهاء حرية التصرف في المال: «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا» (النساء/5)، فكيف بأمور أخرى أشد خطرًا وأعظم أثرًا؟
ورحم الله الشيخ الطاهر بن عاشور إذ أضاف مقصد (الحرية) هو يكتب في (مقاصد الشريعة)، فأجواء الحريّة وحدها هي التي تكشف عن ذوي المواهب الرفيعة، وتجعل الأمة تدفع بهم إلى صفوفها الأماميّة لقيادتها، وتخفف عنهم ثقل ما يشعرون به من حرج في (استعظام) المسؤوليات، والحرية التي تضاهي مقصد الحفاظ على الدين وعلى النفس وعلى العقل وعلى المال، هي حرية الضمير الإنساني من كل الضغوط، وإزالة العوائق أمامه سواء أكانت بالترهيب أو بالترغيب، وهي في خاتمة المشهد تحقيق لذلك الدعاء الندي: (اللّهم ول أمورنا خيارنا ولا تول أمورنا شرارنا).
إن ذلك المشهد هو ما توصلت إليه المجتمعات الغربية في العصر الحديث، فآوت إلى آلية الديمقراطية التي تجعل من كل من يتوق إلى تولي مسؤولية في الشأن العام، ينافس غيره وفق قاعدة أنا من (يخدم) الأمة أحسن.
لقد ذهلت أمام (لقطة) رواها كتّاب سيرة نابليون الثالث، إذ كان الرجل قد اندفع في مخطط لتمهيد الطرق أمام المارة في باريس، وجنّد جيوشًا من العمال حتى يختصر وقت الانجاز ولا تعطّل مصالح الناس، وذات يوم إذ كان مارًا في عربته فشاهد جلبة وزحاما، ونزل يستطلع الأمر ورأى أن الأشغال تعيق طريق المارة، فشرع يحوّل الحجارة بيديه، وبعدها أمر بمضاعفة الجهود وتقصير وقت معاناة المارة…
وأجد ذلك الشعور بالمسؤولية في تاريخنا، حيث يمتد خيال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من المدينة المنورة إلى العراق، ويقول: (والله لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها لمَ لمْ تسو لها الطريق يا عمر)!
لقد اختلف الزمان بين القرن السابع والقرن التاسع عشر الميلادي، واختلف المكان بين رجل في صحراء الجزيرة العربيّة ورجل في باريس، لكن الشعور بالمسؤولية وثقلها، والادراك السليم لوظيفة من يتولى المسؤولية، جعلت نابليون الثالث يسير على خطى عمر بن الخطاب، بينما يسير مسؤول آخر على طريق في بلديته أو ولايته، والناس تختنق من الزحام أو من رداءة المسلك، فما يكون منه إلا أن يأمر سائقه بأن يشعل أضواء (الامتياز) ليفسح له الطريق!
إن أمثال هؤلاء جعلتهم الوظائف، وقد وصلوا لها بالمغامرة حينا وبالمقامرة أحيانا، ينفصلون عن واقع الناس، فلا يعرفون الندرة ولا الخصاصة ولا يعانون زحام الطرقات، فإذا التقوا بالناس كان ذلك في الأغلب أيام العيد حيث يبدون في أبهى حللهم.
لأجل ذلك كانت وما تزال أجواء الحرية صمام أمان، إذ بها وفيها ينجو الجميع، ومن دونها وفي غيابها يغرق الجميع، ذلك أن الحرية تسري كالماء الجاري، فلا يتعفن ولا يأسن، ويجدد مجراه باستمرار، ويجرف في طريقه الطحالب والركام الذي يعيق حركته، بينما تعشش النباتات الضارة والأوضار في المياه الراكدة، والقيعان الرطبة حيث تنبعث الروائح الكريهة وتتربى الكائنات المؤذية.
إن أجواء الحريّة هي أجواء انطلاق الارادات الخلاقة، وفيها يتعزز الانتماء للأرض وللإنسان وفق عقد اجتماعي (تنافسي) قاعدته تحقيق المصلحة العامة، فتقتل المعلومة المتاحة الاشاعة المختلقة، وتقضي المنافسة على المضاربة والمغامرة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

عيدُ النصر

يكتبه د. محمّد قماري/ يعود شهر مارس هذا العام بمذاق خاص، إذ تترقب الجزائر دخول …