الرئيسية | وراء الأحداث | نوال السعداوي بين حرية الفكر وصريح الكف !

نوال السعداوي بين حرية الفكر وصريح الكف !

أ. عبد الحميد عبدوس/

في 21 مارس الجاري (2021)، وعن عمر ناهز تسعين سنة توفيت الكاتبة المصرية نوال السعداوي، التي كانت من أكثر المثقفين العرب المعاصرين إثارة للجدل، فقد استمر الجدل حول قيمة إنتاجها الفكري الذي غطى أكثر من أربعة عقود من الزمن حتى بعد وفاتها، حيث ضجت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بفيض من النقاش والخلاف بين من يعتبر هذه الكاتبة المعمرة رمزا لحرية الفكر وجرأة الدفاع عن حقوق المرأة، وبين من يعتبرها رمزا للاغتراب الفكري وتشجيع الإلحاد والإباحية والإساءة المتعمدة والمستمرة لثوابت الدين وقيم المجتمع المسلم.
استمدت الكاتبة نوال السعداوي شهرتها من اختراق المحرمات أو ما يسمى «كسر الطابوهات» ، وجعلت قضية المرأة محور بضاعتها الفكرية وعنوان رايتها النضالية ،فمنذ صدور كتابها (المرأة والجنس) في سنة 1972م اتضحت معالم استراتيجيتها القائمة على استفزاز المجتمع بضرب المقدسات وتشجيع الشذوذ، والسخرية من الشرف وعذرية الفتيات والدعوة إلى الخروج على طبيعة العلاقة الشرعية بين الرجل والمرأة ،وواصلت عبر العديد من الكتب والروايات والصحف والمحطات الفضائية الدعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وحقِّ المرأة المُطلقة في الحرية بجسدها، والتخلص من القيود الدينية التي تعيق تقدم المرأة حسب زعمها.
بلغ عمر نوال السعداوي 24 سنة عندما تخرجت من كلية الطب بجامعة القاهرة في ديسمبر عام 1955 بحصولها على بكالوريوس الطب والجراحة ، وتخصصت في الأمراض الصدرية، غير أنها لم تحقق أي إنجاز أو تميز أو اكتشاف علمي في مجال الطب، ولكنها ملأت الدنيا وشغلت الناس بآرائها في السياسة والدين بمزاحمة الفقهاء من ذوي الاختصاص في تأويل القرآن، وإصدار الفتاوى الدينية الشاذة، وادعت أن الجنة والنار هي مجرد أمور رمزيّة لتخويف الناس، ومن آرائها الصادمة أن «أية { للذكر مثل حظ الأنثيين} ينبغي إيقافها كما تم إيقاف آيات الرق»، ومن تصريحاتها: «كتبت «إلى الله» وعمري 7 سنوات.. أنا ضِدُّ المهر، أنا ضِدُّ تعدُّد الزوجات، الزواج بغاء مقنَّع، الحجاب مفهوم عبودي أرفضه، إذا كان الله قال منذ 14 قرناً مضت؛ فالأوضاع قد تغيّرت، يجب ألا نمشي خلف الرسول في الخطأ، الحج والصلاة بالطريقة الحالية غلط.، تقبيل الحجر الأسود والطواف حول الكعبة أفعال وثنية..»، كما اعترضت على قول الله تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وكتبت «قل هي الله أحد» ـ (تعالى الله عما تقول علوا كبيرا).
لم تكن الكاتبة نوال السعداوي تتورع عن المجاهرة بالكفر والإساءة إلى الذات الإلهية في رواياتها ومسرحياتها وكتبها، ولذلك لم يكن من المستغرب أن تدفعها نرجسيتها المتضخمة إلى التطاول على العلماء والادباء والمفكرين بجميع أصنافهم ،فخلال استضافتها من طرف الإعلامي اللبناني سامي كليب في برنامج «زيارة خاصة» الذي بث على قناة (الجزيرة) القطرية سنة 2006 قالت: «…أنا كنت أختلف تماما مع الشيخ الشعراوي. هوً لم يفهم جوهر الدين»، ولما اعترض عليها محاورها بقوله: «يا دكتورة نوال، هذا ظُلم لرجل كرّس حياته لفهم وشرح الدين، وأنا نفسي أستمع اليه بمتعة كبيرة وأتعلم اشياء كثيرة أجهلها»، ردت عليه بكل عجرفة: «كان كل كلامه لا يتعدى اللفظ القرآني. يفسره، الاسلام ليس لفظ الاسلام غير نص نفسره ونختلف عليه الاسلام جوهر ومعنى هو الذي يجب ان ندافع عنه انا كنت دائماً اختلف معه انا كنت دائماً اقول لهم نحن جعلناه نجما…»، وفي حوارلها مع موقع (إيلاف) السعودي سنة 2002. قالت: «أنا أهم من العقاد وطه حسين، وأعلم في القرآن من الشيخ الشعراوي، وكتبي تجاوزت قاسم أمين»، وفي كتاب (نوال السعداوي وشريف حتاتة وتجربة حياة) للدكتورة أمل الجمل قالت: «أنا أكبر كاتبة ترجمت أعمالها بين الكتاب والكاتبات العرب، نجيب محفوظ لما أخذ جائزة نوبل لم يكن الغرب يعرف عنه كثيراً، كانوا يتصلون بي ليسألوني من هو نجيب محفوظ.. بينما كانت أعمالي تترجم وتدرس في الجامعات».
من خلال هذه التصريحات التي تشبه الهذيان يتضح أن نوال السعداوي كانت تعتبر نفسها أكثر فهما للدين وأعلم بالقرآن من الشيخ الشعراوي، وأهم في الفكر من العقاد وطه حسين، وأبعد أثرا في تحرير المرأة من قاسم أمين، واكثر إبداعا في الأدب من نجيب محفوظ … وصدق رسول الله إذ يقول: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت».
لقد بلغ هوس الشهرة والبحث عن لفت الانتباه عند نوال السعداوي إلى ممارسة الكذب والتشويه المقيت لخصومها من الإسلاميين، ففي سبتمبر 2017 وفي برنامج «ضيف ومسيرة» على قناة (فرانس 24) الفرنسية الناطقة بالعربية، أكدت نوال السعداوي دون أن يرف لها جفن أنها رأت بنفسها «هيلاري كلينتون توزع دولارات في ميدان التحرير على الشباب، حتى ينتخبوا الإخوان المسلمين»…! هذا التصريح الغريب أثار سخرية وتهكم الكثير من المتابعين، ولكن الإعلامية عزيزة نايت سي مقدمة برنامج «ضيف ومسيرة» في قناة ( فرانس 24) لم تناقش ولم تعترض على كلام ضيفتها نوال السعداوي، رغم أن هيلاري كلينتون قد كتبت عن زيارتها لميدان التحرير في مارس 2011 بصفتها وزيرة للخارجية الأمريكية بعد شهر من سقوط مبارك فقالت في مذكراتها الصادرة في جوان 2014 تحت عنوان (خيارات صعبة): «قمت بنفسي بزيارة ميدان التحرير.. وجدت أمامي مجموعة غير منظمة وغير مستعدة لخوض أي انتخابات ولا التأثير في أي شيء. لم تكن لديهم أي خبرة في السياسة ولا أي فهم لكيفية تنظيم الأحزاب والحملات الانتخابية، ولم يظهروا حتى أي اهتمام بذلك…» وتضيف كلينتون: «شعرت بالقلق من أن الحال ستنتهى بهؤلاء الشباب إلى تسليم البلاد للإخوان أو للجيش بطبيعة الحال». أي أن هيلاري كلينتون وعلى عكس ما تدعيه نوال السعداوي كانت متخوفة من وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر، ولم تكن توزع دولارات لكي يفوز الإخوان المسلمون في الانتخابات ،وهذا الخوف من حكم الإخوان المسلمين ورفض الإدارة الأمريكية لبقائهم في السلطة هو ما أفصح عنه خليفة هيلاري كلينتون في المنصب الوزير جون كيري الذي تولى الدبلوماسية الأمريكية في فيفري 2013 والذي اعتبر في اوت 2013 بعد شهر من الانقلاب في مصر، أن الاطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي كان بمثابة «استعادة للديمقراطية» من طرف الجيش المصري!.
نوال السعداوي التي اتهمت الشباب المصري بتلقي الدولارات الأمريكية في ميدان التحرير سنة 2011 من طرف الوزيرة هيلاري كلينتون، لم تكن ترفض رغم توجهها الماركسي، الاستفادة من دولارات الإمبريالية الأمريكية عندما يتعلق الأمر بمصلحتها، فلما تساءلت بعض المشاركات في مؤتمر نسوي نظمته نوال السعداوي في سنة 1986م عن مصدر تمويله، اعترفت نوال السعداوي بأنَّ مؤسسة «فورد كونديشن» الأمريكية، وكذا هيئة المعونة الأمريكية بالقاهرة، وجمعية نوفيل الهولندية، ومكتب اكستوان بالقاهرة، هي التي مَوَّلت المؤتمر!
نوال السعداوي التي تدعي الدفاع عن حقوق الانسان وحقوق المرأة لم تهتم ولم تتعاطف ولم تعترض على معاناة وآلام النساء المصريات من بنات وطنها ضحايا القمع الساحق الذي ألحقه نظام السيسي بالثكالى والأرامل والشهيدات المعتصمات في رابعة والنهضة رفضا للانقلاب، ولم تندد نوال السعداوي بعمليات الكشف عن العذرية والاغتصاب والإخفاء القسري والسجن التعسفي للنساء في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي رفعت لواء الدفاع عنه بحماس وشراسة في وسائل الإعلام العربية والغربية ،ففي حوارها مع قناة (بي .بي . سي) البريطانية في برنامج «بلا قيود: «في جويليه 2018 استشاطت غضبا من اسئلة مذيعة البرنامج التي طلبت رأيها حول التقارير الحقوقية الدولية التي تكشف سوء وضع حرية الرأي والتعبير في مصر، ورفضت وصف الرئيس السيسي بالدكتاتور واتهمت الإعلام البريطاني والإعلام الغربي بعدم نقل الحقيقة، وقالت إن الذي أطاح بمرسي ليس الجيش المصري أو السيسي بل هم الملايين الذي خرجوا ضدّ مرسي.
ربما اعتقدت نوال السعداوي أن مصلحتها كانت تقتضي الدفاع عن الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أصبحت في عهده تحظى بكل مظاهر التكريم، و توجه لها الدعوة للكتابة في أكبر الصحف المصرية على غرار جريدة «الأهرام» وصحيفة «المصري اليوم»، وتفتخر بوجود كتبها في كل بيت مصري. ولكن كان المنتظر من نوران سلام مذيعة برنامج (بلا قيود) في قناة (بي. بي. سي) المشهورة بالمهنية والموضوعية أن تدافع عن حقّها في طرح الاسئلة التي تراها مناسبة على ضيفتها، لكنّ المذيعة حرصت على عدم إزعاج نوال السعداوي وقامت بتغيير أسئلتها… ويبدو للمتابع أن حتى الإعلام الغربي يحرص بشكل ما على عدم إسقاط بعض الأوثان التي يشجع الغرب على إقامتها وتلميعها والترويج لها في العالم العربي والإسلامي.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدكتـــور عبــد الله شريــط الفيلســوف الـمناضــل

أ. عبد الحميد عبدوس/ عن عمر ناهز تسعة وثمانين عاماً رحل المجاهد الأستاذ الدكتور عبد …