الرئيسية | في رحاب الشريعة | نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/

نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر في أحجار الفتن، وقد تعصي الله سبحانه عز وجل، ولكن بذور الخير فيها تُحَرِّكُها دوما نحو الإنسانية، وقد تفعل الشر في الشهوات الغريزية، جهلا أو خطأ أو نسيانا، ولكنها لاتفعل الشر في الناس، لاتسمح لجوارحها بأن تستهزئ بالناس أو تشمت بهم الأعداء، فالعاطفة المركوزة في وجدان هذه النفوس، تمنعها من أن تؤذي أحدا، هذه نفوس آدمية حقا، قد تتعثر ولكن لاتفسد ولا تتحجر. قد يرى الناس سلوكها الظاهري قبيحا، وقد يتجرأ بعض الغلاة ويحكمون عليها بالنار، ولكن باطنها مليء بالأسرار، ومصيرها في حكم الواحد القهار العزيز الغفار. مثل هذه النفوس، نفس بغي من بغايا بني إسرائيل، قد تكون ارتكبت أكثر من فاحشة، وأكثر من فجور، وقد تكون تعرضت للعن والشتم، والدعاء عليها، أو الطعن في عرضها، ولكن قضاء الله وقدره فيها أمر آخر، فتحركت في داخلها ذات مرة بُذُورُ الخير، ومدت يدها في الخير لترحم كلبا عطشانا، فامتدت إليها رحمة الرحمن ففازت بالغفران. وردت قصتها اللطيفة في الحديث الشريف، بشهادة النبي عليه الصلاة والسلام،. عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ.] (مسلم. كتاب السلام.2245) وكذلك الرجل الذي سقى الكلب وهما قصتان مختلفتان، قصة نفس امرأة غير حاقدة على أحد، ولاحاسدة، فانفردت بقصتها وفوزها، وقصة نفس رجل تأبى نفسه أن يتألم كائن حي على هذه الأرض، فله قصته وحظه من الرحمة الواسعة. وعندما سأل بعضُ الصحابة: هل لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ أجرٌ.؟قال النبي صلى الله عليه وسلم:[فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ] (مسلم.2244) أما القلوب المتحجرة فلا إحساس لها بالأكباد الرطبة، بل لها المتعة في السخرية والاستهزاء بالناس والشماتة الشيطانية.
وهذه النفوس المستهزئة قد يكون في داخلها حقد أو حب انتقام، فتُرَى في سلوكها مظاهر التقوى من الصلاة والزكاة والصوم، ولكن الوجدان الداخلي خال من حب الخير، خال من العاطفة، لارحمة ولا شفقة، وقد يتلذذ صاحب هذه النفس بالشماتة في الآخرين، أو بإرادة الشر لهم. ومثل هذه النفوس، المنسلخة من القيم الإنسانية، مثل نفس تلك المرأة التي حبست الهرة ومنعتها من حرية العيش. فعن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ] (مسلم. 2242)
إن من يتعلم ويعتبر من الآيات الكونية والتاريخية والنفسية، والآيات القرآنية، يعلم أن في الدنيا الخير والشر، وأن العقلاء دائما يختارون طريق الخير، ومن بين علامات أهل الخير أنهم يعينون المحتاج، ويسترون المبتلى، ويرحمون من في الأرض.
ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:[يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ،] (البخاري. 5058)مَرَقَ من الدين خرج منه، ولم يُرَاعِ أحكامه.يخرجون من الدين كما يخرج السهم الذي يصيب الصيد ويخرج منه ولا يعلق به من جسد الصيد. ومن علامات هؤلاء المارقين أنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، كما فعلها الخوارج، وأتباعهم. من علامات هؤلاء الحروريين المارقين أنهم يقتلون المسلمين ويسالمون الكافرين، يكشرون في وجوه المسلمين ولايردون عليهم السلام ويبتسمون في وجوه الكافرين، مُلِئت قلوبهم بسرطان الغل والخداع. أتعبوا الناس منذ عهد الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، كان رضي الله عنه تستحي منه الملائكة، ولكن القلوب السوداء لم تستح منه، ولا من القرآن الذي يتلوه بالليل والنهار، كان رضي الله عنه إماما للمسلمين، وإماما في القراءة، وإماما في الجهاد، وإماما في الإنفاق في سبيل الله، ومع ذلك عندما يطغى حدثاء الأسنان، ويتحركون بنزغ من تحريض الشيطان، لايعرفون لأهل الفضل فضلهم، ولا لأهل الحق عليهم حقهم.قال علي رضي الله عنه: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم، فإن الحرب خدعة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: [يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ] (البخاري. كتاب المناقب. باب علامات النبوة في الإسلام. 3611) وورد في شرح الحديث للدكتور،مصطفى البغا. قال عن هذا الحديث:{ أخرجه مسلم في الزكاة باب التحريض على قتل الخوارج رقم 1066. (أخر) من الخرور وهو الوقوع والسقوط. (خدعة) بفتح الخاء وكسرها وضمها أي تمويه وإخفاء وتلون وتكون بالتورية والتعريض وخلف الوعد والكذب والاقتصار على التورية أو التعريض أفضل والمراد أنه يلتزم ما سمعه في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن حدث من عنده فإنه يجتهد برأيه ويلون في الكلام ما شاء ليقنع سامعه وليس المراد أنه يخادع في حديثه حاشاه رضي الله عنه. (حدثاء الأسنان) جمع حديث السن وهو الصغير. (سفهاء الأحلام) ضعفاء العقول والسفهاء جمع سفيه وهو الطائش خفيف العقل. (من قول خير البرية) أي من خير ما تقوله البرية أو هو القرآن والسنة والبرية الخلق. (يمرقون) يخرجون. (الرمية) الصيد المرمي. (لا يجاوز إيمانهم حناجرهم) أي لا يصل إلى قلوبهم والحناجر جمع حنجرة وهي رأس الحلقوم الذي يرى من خارج الحلق}
لِمَ لا يكون الشاب من أصحاب النفوس الطيبة الأريحية، ولم لايكون شبابنا من أصحاب القلوب العطوفة الصدوقة؟ أليس هذا أفضل؟
نعم، في هذه الدنيا نفوس، ونفوس.. نفوس تقية أريحية تزرع الحب والاطمئنان، وتبني الأسر والأوطان، وتنشر السلام بين الجيران وبني الإنسان، يتربى فيهم الشباب على خلق التراحم والإحسان، يرحمون الصغير، ويوقرون الكبير، يقرأون القرآن الكريم، ويعملون بأحكام الكتاب الحكيم، ليستقيموا على الصراط المستقيم،. ونفوس غبية حرورية هَمُّهَا زَرْعُ الفتن والبهتان، والترويج لنزغ الشيطان،. حقا. إن في هذه الدنيا نفوس، ونفوس، نفوس بَنَّاءَةٌ زرَّاعَةٌ للخير، ونفُوسٌ هَدَّامَةٌ نَاشِرَةُ للشر. بسم الله الرحمن الرحيم.﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا.﴾ (سورة الشمس:7، 10)

عن المحرر

شاهد أيضاً

التكافل المجتمعي أعظم أساس في بناء الدولة القوية

الشيخ محمد مكركب أبران/ إن الأسس الكبرى لبناء الدولة نجملها فيما يلي: الأساس الأول: الحاكم …