الرئيسية | الحـــق الـمر | طريـــق الخـــــــــلود…

طريـــق الخـــــــــلود…

يكتبه د. محمّد قماري/

منذ بدء الخلق وجدت نزعة الخلود في هذا الكائن البشري، وفي هذه النزعة اجتمعت الأضداد، فهي دافع ومحرّكٌ للأعمال الجليلة، وهي هاويةٌ ينزل إليها الإنسان متشبثا بالطين وبوحل الأرض، يتلهى به، ويبني قصورًا لعلها تحميه من مصير الفناء المحتوم…
هذه النزعة كانت الشراك الذي نصبه إبليس في طريق الإنسان الأول (آدم)، وهوى به من الجنة التي لا يجوع فيها ولا يعرى إلى (شقاء) الأرض، لقد استطاع الشيطان أن يسوقه من هذا المدخل: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ» (طه/120).
وورث أبناؤه من بعد هذه النزعة، نزعة تحدي الفناء وحب الخلود، فانقادوا إليها كل حسب رشده العقلي والعاطفي، فمنهم من ظن أنه يخلد بتشييد البناء الشامخ والقصور الفارهة «وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ» (الشعراء/129)، فتطاول البنيان وضخامته يغري بالأمان والمنعة، ومنهم قد يضيف إليه كنز المال الكثير، كما هو حال نموذج (قارون) عبر الأزمان إذ يرجع الفضل في تكديس المال (المعطل) والمنهوب من الضعفاء (فبغى عليهم) إلى قدراتٍ ذاتية فيه «قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي» (القصص/78)…
ومن بني الإنسان من جعل الخلود في كثرة نسله «وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ» (سبأ/78)، وفي القرآن الكريم نماذج كثيرة ترسم خطوات الإنسان وهو يلهث وراء نزعة الخلود، ولا يرى من أبوابها إلا عالم الأشياء القريبة، فتجده يسطو ويبغي ويقتل ويفسد، ويظن أنه يرسخ وجوده في هذه الدنيا…
ولأن هذه النزعة أصيلة في النفس البشرية، وتهفو النفوس إليها وتتطلع لتحقيقها، جاء في القرآن الكريم مع ذكر الجزاء (الجنة) والعقاب (النار) استيعاب هذه النزعة، فأهل الجنة (خالدين فيها) وأهل النار (خالدين فيها)، فلا مجال إذن لقمع هذه النزعة أو كبتها أو تجاهلها، فهي نزعة طاغية طافحة، ومنها تم استدراج الإنسان الأول إلى الشقاء، فهي نزعة تقود من ينساق وراءها إلى التعب والمشقة!
فما السبيل إلى تحقيقها، والارتفاع بها من عالم الأشياء الطفولي إلى طلب الخلود الراشد؟
لقد ورد في القرآن الكريم مع تلك النماذج البائسة التي طلبت الخلود في عالم الأشياء، وردت نماذج أخرى تطلعت للخلود من أبواب أرحب وأجدى، فهذا إبراهيم أبو الأنبياء يناجي ربه «وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ» (الشعراء/84)، فلقد طلب أن يجعل له ذكرا جميلا عبر الأجيال يذكر به ، ويقتدى به في الخير، لكنه لم يغفل عن ربط ذلك الخلود بالخلود الأبدي «وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ» (الشعراء/85 )…
وهذا نبي الله زكريا، عليه السلام، يلمح إلى ما للخلفة والنسل من أثر اجتماعي، ومالها من أثر في تحقيق البقاء، فيدخل في مناجاة غامرة، يطلب الوريث «وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» (مريم/5-6)، لكن الأمر لا يتعلق بخلفة بيولوجية ووريث اجتماعي «هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء» (آل عمران/38)، إنها الذرية (الطيّبة) التي تحمل أمانة الهدى والصلاح…
وعندما كان الرسول الخاتم يكابد تبعات إعلان دعوته، وما لقيه من عنت وصد على أكثر من صعيد، جاءته البشرى بتحقيق الخلود الرفيع «وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ» (الشرح/4)، ويا لها من عبارة موحية، وفي لفظة واحدة يختزل طلب الخلود، إنه الخلود (الرفيع)، رفيع عن الصغائر والدنس، ورفيع تشرئب الأعناق إليه، ورفيع باقترانه بلفظ الجلالة «محمد رسول الله»…
إن قوافل المتهالكين والصرعى في طريق طلب الخلود كثيرون، منهم من يطلبه بـ(شهرة) رخيصة، وأصل لفظ الشهرة في العربيّة الفضيحة، ومنهم من يطلبه باكتناز غير مشروع للمال، ومنهم من يطلبه بمناصب يتربب بها على خلق الله، فيظن أنه يحي ويميت، ويقطع الأرزاق ويحطم الهامات، فإذا بكل هؤلاء يقفون عند مفترق الطرق على حقيقة أليمة…حقيقة أنهم صغار وإن تجبروا، وفقراء وإن اكتنزوا، وأطفال تلهو بلعب وأشياء لا واقع لها إلا في خيالهم المريض…
طريق الخلود الحقيقي…طريق يقتضي من صاحبه أن ينفث من روحه في أرواح الآخرين، وأن يشيع فيهم قيم الجمال والجلال، والبذل والعطاء، فتجعل خلقا كثيرًا في حياته ومن بعد موته تتنفس برئتيه، وتنطق بلسانه وتستن بسننه، وهذا معنى (من سنَّ سنةً حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها…)، وجلي أنها ليست ألفاظًا تلاك، ولا خطبا مدبجة، إنها أفعال تصدر عن قلب أحب للناس الخير، ونفس تتوق لإسعاد ما حولها من الأنفس، ولو ببسمة حلوة، وكلمة طيبة، والتفاتة رمزية…

عن المحرر

شاهد أيضاً

عيدُ النصر

يكتبه د. محمّد قماري/ يعود شهر مارس هذا العام بمذاق خاص، إذ تترقب الجزائر دخول …