الرئيسية | اتجاهات | هــــذا هــو البيـــت السعيـــد

هــــذا هــو البيـــت السعيـــد

عبد العزيز كحيل/

عند المسلمين الملتزمين بدينهم ليس البيت مجرد مأوى يتلاقى فيه أفراده للطعام والنوم والتزاوج، بل هو مؤسسة حقيقية، ميزتها الأولى أنها محكومة بتعاليم القرآن والسنة وضوابطهما في حركاتها وسكناتها، حال الرضا والغضب، والفقر والغنى، والمنشَط والمَكرَه، بل أكثر من ذلك ليس هو بيتا فيه ممارسات وشعارات دينية ظاهرية فحسب لأنه – كمؤسسة – كلّ شامل لكل المحاسن، متكامل الرؤية والأداء، قد يعتريه ما يعتري أي مؤسسة بشرية وأي ممارسة إنسانية من النقص والضعف لكن معدنه لا يتغيّر ووجهته الربانية ثابتة.
وسعادة المجتمع تبدأ من البيت، وشقاؤه كذلك، وها هو حال الغرب يؤكد هذه الحقيقة، فكونُه مجتمع الازدهار لم يمنعه من أن يكون مجتمع الانتحار، والسبب الأول في ذلك هو التفكك الأسري الذي أصبح ظاهرة اجتماعية لا تخطئها العين.
هل البيت المسلم ملائكي إذًا؟ هل هو حلم أو وهم؟ هل هو ضرب من المستحيل في ظل العولمة والمجتمع الاستهلاكي والتوجه المادي؟
هذه بعض قسمات هذا البيت المسلم في شكل أداء يومي، ديني وخلقي واجتماعي، يؤكد أن كل هذا ممكن جدا، ليس فيه أي تكاليف تعجيزية.
خارطة طريق عملية بسيطة للبيت المسلم:
– يقوم أهله لصلاة الفجر، يوقظ بعضهم بعضا بحزم فيه رفق، أو برفق فيه حزم، ويحرصون على الصلوات في وقتها، في المسجد كلما أمكن ذلك، أو جماعة في البيت عند تعذر ذلك، شعار الجميع: «قم إلى الصلاة متى سمعت النداء مهما تكن الظروف».
– يجتمعون على ورد قرآني يومي وحلقة في الحديث النبوي، يحيون سنة ماضية يميتون بها الاجتماع على المسلسلات والحصص التلفزيونية المنحرفة.
– يحرصون على العيش من الحلال ويرفضون أي أنواع الحرام، يوصي بعضهم بعضا بذلك، ويجددون التذكير، قدوتُهم قول المرأة الصالحة لزوجها وهو منطلق إلى الكسب: «إياك أن تطعمنا من الحرام، فإننا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار».
– بيت يسوده الحوار والنقاش وتبادل الآراء بعيدا عن الاستبداد من أي طرف، يصبر أفراده على بعضهم، يحترمون اختلافاتهم ويحسنون تسييرها من اختلاف تضاد إلى اختلاف تنوّع، أما اشتراط أن يكونوا نسخا طبق الأصل لأحدهم فمطلب غير ممكن التحقيق بل غير مطلوب ولا مرغوب فيه، وقد كان في الصحابة رضي الله عنهم أبو بكر بلينه، وعمر بصلابته، وابن عمر بتشدده، وابن عباس بتيسيره، وابن مسعود بغرائبه، بهم جميعا تشكل ذلك الجيل القرآني الفريد.
– الرجل يحسّ بتعب زوجته في تدبير البيت وأعباء الوظيفة إن كانت عاملة، فيواسيها ويساعدها ولا يبخل عليها بالكلمة الطيبة، يمدح – مثلا – أناقتها والطعام التي تحضره وطريقة تأثيث البيت، والمرأة تتفهم ظروف زوجها، تقلل من المطالب المادية وتحسن التبعل له، وتجعل من البيت واحة للراحة النفسية، يجد فيها الرجل الروح والريحان.
– بيت ليس فيه عادات سيئة تمحق البركة وتذهب بالثواب وتكثّر السيئات، مثل الغيبة والطعن في الأشخاص والهيئات، وإن كان ولابد من نقد للساسة أو غيرهم فبأفضل العبارات وأقلها حدة وغلوا.
– بيت ليس فيه تدخين ولا كلام بذيء ولا سوء خلق، هذه أشياء لا يتسامح فيها الأبوان مع الأبناء بأي شكل، لأنه بيت يجمع بين طهارة الظاهر والباطن وينأى بأهله عن كل أنواع التلوّث.
– هو بالفعل بيت تنمو فيه العفة والطهر فلا مكان فيه لتبرج الزوجة والبنات ولا تشبههن بالرجال بأي شكل، بل فيه التزام باللباس الشرعي، أما بالنسبة للذكور فلا مكان فيه لتسريحات الشعر الغريبة ولا العادات الفاسدة الدخيلة التي تحمل في طياتها رسائل التفسخ والتفكك والانحراف.
– إنه بيت فيه تبادل السلام والابتسامة والتعاون والاجتهاد في الكلام بالعربية الفصحى، لغة القرآن والعلم والحضارة، ينبذ أهله الفرنسية إلا للتعلم والدراسة.
– بيت يطلق على المواليد الجدد أسماء عربية مسلمة تشير إلى شخصيتنا وهويتنا، ولا مكان فيه لأسماء الكفار والجاهليين ولو كانوا نجوما كالممثلين واللاعبين والمطربات.
– بيت أفراده يطالعون، يقرؤون، يتعلمون، للكتاب فيه قدر ومكانة بين الصغار والكبار، قبل التلفزة والكرة والهاتف المحمول.
– بيت فيه سؤال عن الجيران والأقارب والتواصل معهم والتذكير بذلك.
– فيه اهتمام بأمور المسلمين في الداخل والخارج ومتابعة لقضاياهم والإحساس بهم والدعاء لهم، وفي مقدمة ذلك قضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أضـــــواء علـــى العلمانيـــة

عبد العزيز كحيل/ مفهوم العلمانية: هي تيار فكري ثقافي فلسفي عبارة عن مجموعة من المُعتقدات …