الرئيسية | على بصيرة | سُحب دكناء في سماء تونس الخضراء

سُحب دكناء في سماء تونس الخضراء

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

إن مما أنعم الله به على تونس الشقيقة موقعها الطبيعي الاستراتيجي الجغرافي، ومكانتها من المغرب العربي الاصطيافي، كما أن الله تعالى حباها نعمة الأُنس؛ فهي تؤنس.
إنها تونس الزيتونة التي تخرّج العلماء، وتؤصّل النبلاء، وتشيع في المجتمع التونسي قيّم الفضيلة والفضلاء.
لقد فتحنا ـ نحن أبناء الجزائرـ على تونس، فوجدناها قبلتنا الثقافية، ووجهتنا العربية، وعاصمتنا الإسلامية.

غير أن الاستقلال الذي جاء لتونس، لم يكن مصحوبا بالحرية المسؤولة، والتربية الحضارية المأمولة، فأشاع القائمون على استقلالها رياح الطغيان والاستبداد، ومناخ القمع والاضطهاد، فجففوا المنابع بدءا بجامع الزيتونة ،وانتهاء بجامع صاحب الطابع، وسادت معالم الرذيلة، وانتشرت المظاهر البئيسة الذليلة، فصارت تونس ـ بعد أن كانت تُؤنس، صارت توحش، وبعد أن كانت قِبلة المثقفين والعارفين …تحولت إلى طالبي المُتعة واللذة من شُذّاذ الآفاق والسائحين.
وتتابعت موجات التبجّح بالعلمانية والإلحاد، تقريبا، في كل معهد وناد، فتكوّن في هذا المناخ جيل من العاقّين وحمَلة المتناقضات والأضداد.
لهفَ نفسـي على تونس ما بعد الزيتونة .. كيف تنكّرت بإعلامها وشبابها لتراث الأجداد والآباء وكيف أصبح يؤذَى المثقفون من العلماء والأصلاء والفضلاء لا لجُرم إلا لأنهم حاولوا إعادة الإصلاح وإعلاء البناء، وقاوموا الضالين بمنهج المصلحين والصلحاء.
ظل الناس المحبون لتونس ينظرون إليها بعين الشفقة والرثاء، ويدعون الله أن تعود لتونس صورة العزة والكرامة والإباء.
وتنفس الناس الصعداء حين بزغ فجر تونس الثورة التصحيحية للتحرر من قيم الدخلاء والعملاء والسفهاء، فضربت تونس الخضراء بصفاء سمائها، وسلمية بناتها وأبنائها، وصححت وجه الربيع العربي، وكممت أفواه الناعقين من أعداء التغيير المقاصدي والمأربي.
غير أن الأخاء والصفاء لم يدم عصره إلا قليلا، حتى طاف عليه طائف من القوى المندسّة، التي ظلت كامنة ودفينة، فأطلّت الأفاعي من جديد، حاملة لواء المسخ والإفساد ومطالبة بعودة الطغيان والاستبداد، فصارت تعيث فسادا في الأرض وتعمل على إعادة نشر الفُحش والتوحّش، ومعاداة كل نبيل وكل أصيل.
لهـف نفسـي على تونس هند شلبي، والمرحومة المحرزي، ومنهجية عبد الفتاح مورو، وعبد المجيد النجّار، ونورالدين الخادمي وأمثالهم ـ وهم كُثرـ …لهف نفسـي على تونس الأصيلة النبيلة، كيف خرج من أحشائها، وفي غفلة من أبنائها، وبمباركة أو صمت كبرائها…كيف خرج هؤلاء الغثائيون العضاريط ، الرعاديد، تقودهم فتّانـة تناصب العداء للعلم والعلماء، وتعمل على دكّ صرح العاملين الأصلاء، مشوّهة للحقائق ومزعزعة لأصالة العلائق.
فهل أتاكم الإسفاف والجهل بالاصطلاح ممـّن لا يفرّق بين فقه النكـاح وبين مفـهوم السـفاح، مختـزلا لأعظم العـبادة إلى الساذج من فهم العامّة والعادة؟ .. وهل بلغكم عن جهل من يُخلط بين الأربعين النووية للإمام النووي رحمه الله وصـُنع السلاح النووي؟
أمرغريب حقا ما يحدث في تونس الثورة اليوم، هذه الثورة التي كانت تقدم للعالم على أنها النموذج الأسلم للتغيير، كما قدمت – بالأمس- الثورة الجزائرية النوفمبرية في كفاح المستضعفين ضد الغزاة المحليين، وكما يقدم اليوم الحراك الشعبـي الدائر في الجزائر على أنه أروعُ نموذج للانضباط والسلمية والتسامح، وفسيفسائية المشاركين على اختلاف قناعاتهم وأيديولوجياتهم.
وسؤالنا عن تونس: أين هم أبناء تونس الأصلاء من الزيتونيين وأبنائهم وطلابهم وحوارييهم ؟
إنهم بصمتهم وانسحابهم ولامبالاتهم قد مكّنوا للغثائيين من أن يطفوا على السطـح فيثيروا دخانا، هو الذي ينسج السحب الدكناء التي ما فتئت تغطّي سماء تونس الخضراء.
إن كل من يعادي العلم والعلماء هو شيطان فاجتنبوه، وإن كل من يعلن الحرب على الاسلام هو جاهل أحمق فانبذوه..
ذلك أن العلم ..العلم المؤصل بالإسلام هو القيمة الإنسانية الصحيحة التي يحتاج إليها كل إنسان حتى ولو نشأ في بيئة غير إسلامية، فكيف بمن يتربّى على سماع الآذان والقرآن..كيف ران على قلبه الجهل والفسـاد.
ويعلم الله كم كنا نحب تونس ولا زلنا متيّمين بحب قيّمها الزيتونية العلمية الإصلاحية التي ربّت أجيالا، كان لها الفضل في تحرير تونس من الدخلاء والعملاء.
وكم يحز في قلوبنا اليوم أن يتصدر مشهد تونس في القيادة «منسلبو الإرادة» الفاقدو السيادة، الساقطون في وحل الدياثة والبلادة»؟!
إنه بالرغم مما يحدث في تونس من جزروانكفاء، ومن مظاهر الفساد والعهر .فإننا سنظل مؤمنين بأنه لا بد من طلوع الفجر وتحقيق النصر.
﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الرعد، الآية: 17].

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإسلام والمسلمون في فرنسا: صور من المعاناة

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ عجبت للعقل الفرنسي، الذي كان يزعم …